الوقفة العاشرة

فضل عشر ذي الحجة

إن من فضل الله رضي الله عنه بحانه وتعالى على عباده المؤمنين ونعمته وكرمه أن جعل لهم مواسم يتزودون فيها من التقوى ويستكثرون فيها من الأعمال الصالحة التي تقربهم إلى الله جل وعلا، وإن من لطفه ونعمته أنه ما أن ينتهي موسم من تلك المواسم إلا ويعقبه موسم آخر، يتنافس فيه المتنافسون، ويتسابق في ميدانه المتسابقون، ويجدّ فيه المجدون ومن هذه المواسم الفاضلة عشر ذي الحجة.

وهذه العشر قد ورد في فضلها نصوص كثيرة من الكتاب والسنة، ينبغي للمؤمن العاقل أن يتأملها ويقف عندها لتكون له حافزًا إلى العمل ومشجعًا في المضي قدمًا إلى تحقيق ما يصبوا إليه من مرضاة ربه ودخول جنته والبعد عن عذابه وعقابه.

ومما ورد في فضل عشر ذي الحجة قوله رضي الله عنه بحانه وتعالى: âوَالْفَجْرِ ﴿1 وَلَيَالٍ عَشْرٍ á [الفجر: 1-2]، وهنا أقسم الله تعالى بهذه العشر، والله رضي الله عنه بحانه وتعالى له أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، والقسم يدل على التعظيم فلعظم هذه العشر أقسم بها، يقول الإمام ابن كثير رحمه الله: (المراد بها عشر ذي الحجة كما قال ابن عباس وابن الزبير ومجاهد رضي الله عنهم)، ويقول تعالى: âوَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ á [الحج: 28].

قال ابن عباس رضي الله عنهما: أيام العشر، وروى البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام، يعني العشر»، قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في رضي الله عنه بيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في رضي الله عنه بيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء».

وروى أحمد وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام أعظم عند الله رضي الله عنه بحانه ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد».

يقول العلامة ابن حجر رحمه الله: (والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج ولا يتأتى ذلك في غيره)، وهذه الأعمال كلها موجودة مجتمعة في هذه العشر، ولا يمكن أن يجتمع في غيرها، فالصلاة فرائضها ونوافلها والتبكير في المجيء إليها، والاستعداد لها من أعظم القربات وأجل الطاعات، والصيام مستحب استحبابًا أكيدًا في هذه التسعة الأولى من العشر وبخاصة يوم عرفة فعن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر).

وروى مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن صوم يوم عرفة: «يكفر السنة الماضية والباقية»، وهذا الصيام لمن لم يكن حاجًا أما من كان حاجًا فقد ذكر أهل العلم أنه لا يستحب له الصيام لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف بعرفة مفطرًا، ثم إنه يستعين بالفطر على أداء العبادات المشروعة في ذلك اليوم من الذكر والقراءة وغيرها.

ومن الأعمال التي يتأكد استحبابها وينبغي المحافظة عليها في هذه الأيام الفاضلة، التكبير والتهليل والتحميد لما رضي الله عنه بق في حديث ابن عمر رضي الله عنهما: (فأكثروا فيهن من التكبير والتهليل والتحميد)، قال الإمام البخاري رحمه الله: (كان ابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهما يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما)، وقال أيضًا: (وكان عمر رضي الله عنه  يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيرًا، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يكبر بمنى تلك الأيام وخلف الصلوات وعلى فراشه وفي فسطاطه ومجلسه وممشاه.

وصيغة التكبير التي يكبر بها كما ورد عن الصحابة والتابعين عدة صيغ منها: (الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد)، ومنها: (الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد)، فما أجمل هذا الذكر يترنم به المسلم حاجًا أو غير حاج، وما أحلى الأسواق والتكبير يجلجل فيها، إيمان ظاهر يدل على إيمان باطن بعظمة هذه الأيام المباركة والليالي الفاضلة، ذكر الله إذا رطب الألسنة، اطمأنت الأفئدة، وأمنت القلوب، وارتبطت بخالقها جل وعلا، وزاد إيمانها وارتفعت درجاتها، ذكر الله إذا نطقت به الألسنة صار بديلًا عن كل كلام لا فائدة منه.

وإن من الأعمال المستحبة في هذه العشر الصدقة والإحسان إلى الفقراء والمساكين والمحتاجين، فللصدقة مزية وخصوصية وبخاصة في هذه العشر الذي تختم بيوم عيد الأضحى، الصدقة فيها أخوة ومحبة وعطف ومودة، وإحساس وشعور بحاجة الآخرين، واعتراف بفضل الله ونعمته، ومواساة وقربى، وفرحة وبسمة لأطفال المساكين، وكفهم عن السؤال في يوم مبارك عظيم، فهل نكون من أهل الصدقة والبر والإحسان إنه هذا هو شعور المسلم الحق الذي يرجو ما عند ربه من الرحمة والمغفرة ودخول الجنة.

فعلى المسلم أن يغتنم هذه العشر المباركة فإنها ولابد زائلة وليحرص الموفق على ترك المعاصي فإنه يعظم أمرها في مواسم الرحمة، فالغنيمة الغنيمة بانتهاز الفرصة في هذه الأيام العظيمة، فما منها عوض ولا قيمة، والمبادرة المبادرة بالعمل، والعجل العجل قبل هجوم الأجل وقبل أن يندم المفرط على ما فعل، وقبل أن يسأل الرجعة فيعمل صالحًا فلا يجاب إلى ما رضي الله عنه أل، وقبل أن يحول الموت بين المؤمل وبلوغ الأمل، وقبل أن يصير الرجل مرتهنًا في حفرته بما قدم من عمل.

ليس للميت في قبره
ناء عن الأهل على قربه

  فطر ولا أضحى ولا عشر
كذاك من مسكنه القبر

*   *   *   *   *

ليالي العشر أوقات الإجابة
ألا لا وقت للعمل فيه
من أوقات الليالي العشر حقا

  فبادر رغبة تحلق ثوابه
ثواب الخير أقرب للإصابة
فشمر واطلبن فيها الإنابة



بحث عن بحث