المنافسة سنة بشرية
لقد جَبَلَ الله تعالى الإنسان على حب التنافس مع الآخرين، كل بحسب اهتماماته وميوله، فالمنافسة بين الرياضيين على قدم وساق، تضرب لها وفيها أكباد الإبل، وتصرف فيها الأموال، والمنافسة بين الصناع والمزارعين وأصحاب الحرف قائمة بقوة، والمنافسة والتسابق في صنع الأسلحة وتطويرها على قدم وساق من الدول والشركات، والمنافسة بين التجار على أشد ما يعرف الزمان، والمنافسة بين الزراع موجودة، وأرباح هذه الأعمال كلها تقتصر على منافع الدنيا فحسب، فما بال أهل الإيمان والتقوى! أليس لهم ميدان يتنافسون فيه؟ أم هناك تقصير وتفريط؟ وما أسباب ذلك؟ وما الحوافز على المسارعة إلى الخيرات؟ وماذا رتّب الله عز وجل على ذلك من الأجر والثواب في الآخرة؟ وما بركاتها في هذه الدنيا؟ كل هذا سنتحدث عنه فيما يلي من الصفحات.
وعندما نؤكد على هذه المنافسة ونحث على السعي فيها ونجلي آثارها، لا يعني أن المنافسات فيما ذكر ممنوعة ومحظورة، بل هي قابلة لهذا وذاك، فإذا سخرت لخدمة الإنسان ولم يقارف فيها محظورًا شرعيًا فتبقى في دائرة المباح، وإذا استخدمت في الخير كانت خيرًا وفلاحًا في الدنيا والآخرة.
المنافسة سنة بشرية
لقد جَبَلَ الله تعالى الإنسان على حب التنافس مع الآخرين، كل بحسب اهتماماته وميوله، فالمنافسة بين الرياضيين على قدم وساق، تضرب لها وفيها أكباد الإبل، وتصرف فيها الأموال، والمنافسة بين الصناع والمزارعين وأصحاب الحرف قائمة بقوة، والمنافسة والتسابق في صنع الأسلحة وتطويرها على قدم وساق من الدول والشركات، والمنافسة بين التجار على أشد ما يعرف الزمان، والمنافسة بين الزراع موجودة، وأرباح هذه الأعمال كلها تقتصر على منافع الدنيا فحسب، فما بال أهل الإيمان والتقوى! أليس لهم ميدان يتنافسون فيه؟ أم هناك تقصير وتفريط؟ وما أسباب ذلك؟ وما الحوافز على المسارعة إلى الخيرات؟ وماذا رتّب الله عز وجل على ذلك من الأجر والثواب في الآخرة؟ وما بركاتها في هذه الدنيا؟ كل هذا سنتحدث عنه فيما يلي من الصفحات.
وعندما نؤكد على هذه المنافسة ونحث على السعي فيها ونجلي آثارها، لا يعني أن المنافسات فيما ذكر ممنوعة ومحظورة، بل هي قابلة لهذا وذاك، فإذا سخرت لخدمة الإنسان ولم يقارف فيها محظورًا شرعيًا فتبقى في دائرة المباح، وإذا استخدمت في الخير كانت خيرًا وفلاحًا في الدنيا والآخرة.
فضل المسارعة إلى الخيرات والحث عليها
إن الناس في الإقبال على الله تعالى والإقدام على الإيمان والعمل الصالح ثلاثة أنواع: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات، ولا شك أن أفضلهم السابق بالخيرات، قال تعالى: ﴿ • • ﴾ [فاطر: 32].
والمسارعة إلى الخيرات شيء زائد على فعل الخيرات، وقد ذكر ابن سعدي : في تفسير قوله تعالى: ﴿ •﴾ [البقرة:148] قال: «والأمر بالاستباق إلى الخيرات قدر زائد على الأمر بفعل الخيرات، فإن الاستباق إليها يتضمن فعلها وتكميلها، وإيقاعها على أكمل الأحوال، والمبادرة إليها، ومن سبق في الدنيا إلى الخيرات فهو السابق في الآخرة إلى الجنات، فالسابقون أعلى الخلق درجة.
والخيرات تشمل الفرائض والمستحبات بل كل معروف، سواء كان نفعه قاصرًا على نفسه أم متعديًا إلى غيره، قال الشيخ ابن سعدي :: «والخيرات تشمل جميع الفرائض والنوافل، من صلاة وصيام وزكاة وحج وعمرة وجهاد، ونفع متعد وقاصر. قال: ويستدل بهذه الآية الشريفة على الإتيان بكل فضيلة يتصف بها العمل، كالصلاة في أول وقتها، والمبادرة إلى إبراء الذمة من الصيام والحج والعمرة وإخراج الزكاة والإتيان بسنن العبادات وآدابها، فلله ما أجمعها وأنفعها من آية!!» ( ).
وقد حث الله تعالى في كتابه على المسارعة إلى الخيرات وعدم التكاسل في امتثال أوامر الله ورسوله وأداء حقوق الله وحقوق العباد.
قال تعالى: ﴿ • • •• ﴾ [آل عمران: 132-134].
وقال تعالى: ﴿ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ﴾ [الحديد: 21].
وقال تعالى: • • • • [المطففين: 22-26].
وقال تعالى: • • • • • • • [الصافات :40-48] . إلى أن قال: • [الصافات: 60-61] .
وقال سبحانه: • • • [البقرة: 148] .
وقال ابن سعدي في تفسير آية الحديد: وهي قوله تعالى: ﴿ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﴾ [الحديد: 21] «ثم أمر بالمسابقة إلى مغفرة الله ورضوانه وجنته، وذلك يكون بالسعي بأسباب المغفرة من التوبة النصوح والاستغفار النافع، والبعد عن الذنوب ومظانها، والمسابقة إلى رضوان الله بالعمل الصالح، والحرص على ما يرضي الله على الدوام، من الإحسان في عبادة الخالق والإحسان إلى الخلق بجميع وجوه النفع، ولهذا ذكر الله الأعمال الموجبة لذلك فقال: ﴿ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ﴾، والإيمان بالله ورسله يدخل فيه أصول الدين وفروعه».
كما أن النبي ﷺ حث على المسارعة إلى الأعمال الصالحة، وحذّر من تسويل الشيطان لابن آدم بأنه سيقوم بهذه الأعمال عندما يصل إلى سن الأربعين .. إلى أن يصير شيخًا .. قال ﷺ: «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك»( ).
وقال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»( ).
وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم؛ يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا»( ).
وعنه عن النبي ﷺ قال: «بادروا بالأعمال ستًا: الدجال، والدخان، ودابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، وأمر العامة، وخويصة أحدكم»( ).
وعنه أن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأعمال سبعًا: هل تنتظرون إلا فقرًا منسيًا، أو غنىً مطغيًا، أو مرضًا مفسدًا، أو هرمًا مفندًا، أو موتًا مجهزًا، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر»( ).
وعن جابر بن عبد الله ا قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «يا أيها الناس! توبوا إلى الله قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وصلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له، وكثرة الصدقة في السر والعلانية ترزقوا وتنصروا وتجبروا»( ).
وقال ابن رجب : في شرح حديث: «إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»: «فالذي يتعين على المسلم الاعتناء به والاهتمام أن يبحث عما جاء عن الله ورسوله ﷺ، ثم يجتهد في فهم ذلك، والوقوف على معانيه، ثم يشتغل بالتصديق بذلك إن كان من الأمور العلمية، وإن كان من الأمور العملية بذل وسعه في الاجتهاد في فعل ما يستطيعه من الأوامر، واجتناب ما ينهى عنه، فتكون همته مصروفة بالكلية إلى ذلك لا إلى غيره»( ).
وقال ﷺ: «إن أخوف ما أخاف على أمتي: الهوى وطول الأمل، فأما الهوى فيضل عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة»( ).
وكان عمر ا يقول: «التؤدة في كل شيء خير، إلا ما كان من أمر الآخرة» ( ).
وعن أبي زكريا التيمي قال: بينما سليمان بن عبد الملك في المسجد الحرام، إذ أتي بحجر منقوش، فطلب من يقرؤه، فإذا فيه: ابن آدم! لو رأيت قرب ما بقي من أجلك لزهدت في طول أملك، ولرغبت في الزيادة من عملك، ولقصرت من حرصك وحيلك، وإنما يلقاك ندمك لو قد زلت بك قدمك، وأسلمك أهلك وحشمك، فبان منك الولد والنسب، فلا أنت إلى دنياك عائد، ولا في حسناتك زائد، فاعمل ليوم القيامة يوم الحسرة والندامة( ).
وقد نبه النبي ﷺ الأمة أن تبتلى بالتنافس في الأموال وخيرات الدنيا فقال: «أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا» قالوا: وما زهرة الدنيا يا رسول الله؟ قال: «بركات الأرض» قالوا: يا رسول الله! وهل يأتي الخير بالشر؟ قال: «لا يأتي الخير إلا بالخير، لا يأتي الخير إلا بالخير، لا يأتي الخير إلا بالخير، إن كل ما أنبت الربيع يقتل أو يلم إلا آكلة الخضر، فإنها تأكل حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت الشمس ثم اجترت وبالت وثلطت ثم عادت فأكلت، إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع»( ) .
فعلى المسلم أن ينافس في أمور الآخرة وفيما يقربه إلى الله، ولا يجره التنافس في أمور الدنيا إلى عدم التمييز بين الحلال والحرام.


يرجى الإنتظار...