بحث عن بحث

هديه في غزوة بدر (1-2)

إن حياة النبي ﷺ في رمضان حياة حافلة بالأحداث الجسام، والمواقف العظام، تحيي في نفوس المؤمنين القوة والعزة، وتقوي فيهم العزم والإرادة نحو الطاعات والقربات، وتبعث في نفوسهم النشاط وحب الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ومن تلكم الأحداث الكبيرة والمليئة بالعبر والدروس الجليلة: أول غزوة مشهورة غزاها عليه الصلاة والسلام، فكانت فرقانًا بين الحق والباطل، وفاصلًا بين المؤمنين والكافرين، أعز الله فيها جنده، ونصر عبده وهزم الكفر وأهله، تلكم هي غزوة بدر الكبرى، هذه الغزوة التي وقعت في السابع عشر من شهر رمضان المبارك، في السنة الثانية للهجرة، وذلك أن النبي ﷺ بلغه أن أبا سفيان توجه من  الشام إلى مكة بعير قريش، فدعا أصحابه إلى الخروج إليه لأخذ العير، لأن قريشًا حرب لرسول الله ﷺ وأصحابه، ليس بينهم وبينه عهد، وقد أخرجوهم من ديارهم وأموالهم، وقاموا ضد دعوتهم دعوة الحق، فكانوا مستحقين لما أراد النبي ﷺ وأصحابه بعيرهم، فخرج النبي ﷺ وأصحابه في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، على فرسين وسبعين بعيرًا، يتعقبونها، منهم سبعون رجلًا من المهاجرين والباقون من الأنصار، يقصدون العير لا يريدون الحرب، ولكن الله جمع بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا، ويتم ما أراد.

ولما علم بهم أبو سفيان، بعث صارخًا إلى قريش يستنجدهم ليحموا عيرهم، وترك الطريق المعتادة، وسلك ساحل البحر فنجا، أما قريش فإنهم لما جاء الصارخ خرجوا بأشرافهم عن بكرة أبيهم في نحو ألف رجل، معهم مائة فرس وسبعمائة بعير، بطرًا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله، والله بما يعملون محيط، ومعهم القيان يغنين بهجاء المسلمين، ولما تهيؤوا أرسل إليهم أبو سفيان يخبرهم أنه نجا، ولكن بكبرهم وطغيانهم قال قائلهم أبو جهل: والله لا نرجع حتى نبلغ بدرًا ونقيم فيه ثلاثًا، ننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابوننا أبدًا.

أما رسول الله ﷺ، فإنه لما علم بخروج قريش، جمع أصحابه ومستشاريه من المهاجرين والأنصار يستشيرهم، فقال: «إن الله وعدني إحدى الطائفتين: إما العير وإما الجيش»(1)، فقام المقداد بن الأسود رضي الله عنه - وكان من المهاجرين- فقال: يا رسول الله! امضِ لما أمرك الله عز وجل، فوالله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقاتل عن يمينك وعن شمالك ومن بين يديك ومن خلفك، وقام سعد بن معاذ رضي الله عنه سيد الأوس، وقال نحوًا من مقالة المقداد، فسر النبي ﷺ بذلك(2)، وقال: «سيروا وأبشروا، فوالله لكأني أنظر إلى مصارع القوم» فسار النبي ﷺ هو ومن معه، حتى نزل أدنى ماء من مياه بدر، فجاء الحباب بن المنذر وعمرو بن الجموح، فأشارا عليه بتغيير هذا المنزل، ثم استعدوا للقتال، وكان النبي ﷺ يمشي بين صفوفهم ويقول: «كأني أرى مصارع القوم»(3)، ثم أخذ عليه الصلاة والسلام يصلي في عريش بناه على تل، ويدعو الله عز وجل بالنصر وتحقيق الوعد حتى سقط رداؤه، وبدأت الحرب واشتدت المعركة، وأنزل الله جنودًا من جنده مع المؤمنين: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ . ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}(4).

وكانت النتيجة أنْ نصر الله رسوله وعباده المؤمنين، وهزم المشركين وولوا الأدبار، وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون، حتى قتلوا سبعين رجلًا وأسروا سبعين، وكان من القتلى صناديد قريش، وألقوا في قليب من قلبان بدر، ومنهم أبو جهل وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وغيرهم، وهكذا نصر الله سبحانه عباده المؤمنين، فعلا شأن رسول الله ﷺ وأصحابه، واندحرت قريش وكبراؤها، ورجعوا خائبين خاسرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (2/288 – 295).

(2) أخرجه قريبًا منه البخاري (3952) (4609).

(3) أخرجه مسلم  بلفظ قريب (1779)، وانظر: سيرة ابن هشام (2/304).

(4) [الأنفال: 12 – 13]