بحث عن بحث

هدي النبي في السفر في رمضان (1-2)

لم يكن هناك على مر تاريخ البشرية سيرة إنسان أكمل ولا أشمل ولا أحسن ولا أفضل من سيرة سيد البشر، الشافع المشفع في المحشر ﷺ، فسيرته هي السيرة العطرة، وقدوته هي القدوة الطيبة، ومثاله هو المثال الصادق، أينما بحثت في هذه السيرة وجدت بغيتك ومطلبك، وها نحن ننقب عن هديه ﷺ في حالة خاصة قد يتعرض لها الصائم في رمضان، ذلكم هو هديه ومنهاجه في السفر: هل كان يصوم أو يفطر؟ وهل كان يواظب على حال معينة؟

أما هديه ومنهاجه في الصيام في السفر، فيتبين لنا من خلال النظر في هذه الأحاديث:

روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كنا نسافر مع رسول الله ﷺ فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم«(1)

وروى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبي ﷺ: أأصوم في السفر؟ وكان كثير الصيام. قال: «إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر«(2).

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان في حر شديد، حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة«(3).

وروى البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «كان رسول الله ﷺ في سفر فرأى زحامًا ورجلًا قد ظلل، فقال: ما هذا؟ قالوا: صائم. قال: ليس من البر الصيام في السفر»(4)، وفي لفظ لمسلم: «عليكم برخصة الله التي رخص لكم«(5).

فهذه نصوص نبوية كريمة تدل على هدي الرسول ﷺ في الصوم والفطر في السفر، فحديث عائشة رضي الله عنها في سؤال حمزة بن عمرو الأسلمي لرسول الله ﷺ يدل على التخيير بالنسبة للمسافر بين الصيام والفطر، فهو مخير بينهما، كما دل حديث أنس رضي الله عنه على واقع الحال لصحابة رسول الله ﷺ في إحدى سفراتهم مع رسول الله ﷺ بأن منهم الصائم ومنهم المفطر، ولم يعب كل منهما على الآخر، ودل حديث أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة رضي الله عنه كانا يصومان في السفر في شدة الحر، وهذا لمن يقدر على تحمل المشقة، أما حديث جابر رضي الله عنه فنفى فيه الرسول ﷺ البر عمّن صام في السفر ولحقته مشقة وخدمه الآخرون، ووجه عليه الصلاة والسلام إلى الأخذ بالرخص في مثل هذه الأحوال.

لهذه الأحاديث والأحوال وغيرها وقع خلاف بين أهل العلم في حكم صوم رمضان في السفر، فذهب جمع من  السلف رحمهم الله تعالى – منهم أبوهريرة وعبد الرحمن بن عوف وابن عمر رضوان الله عليهم – إلى وجوب الفطر في حالتي المرض والسفر؛ لقوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}(6).

ووجه الدلالة من هذه الآية: أن الله تعالى لم يفرض الصوم إلا على من شهده، وفرض على المريض والمسافر الصوم في أيام أخر، كما استدلوا بحديث جابر رضي الله عنه الذي قال فيه الرسول ﷺ: «ليس من البر الصيام في السفر»(7)، واستدلوا أيضًا بما رواه مسلم رحمه الله عن جابر رضي الله عنه أن النبي ﷺ خرج عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم، فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء، فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: «أولئك العصاة، أولئك العصاة»(8)، فسماهم النبي ﷺ عصاة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه البخاري (1947)، ومسلم (1118).

(2) أخرجه البخاري (1943)، ومسلم (1121).

(3) أخرجه البخاري (1945)، ومسلم (1122) .

(4) أخرجه البخاري (1946)، ومسلم (1115) .

(5) أخرجه مسلم (1115) .

(6) [البقرة: 185]

(7) أخرجه البخاري (1946)، ومسلم (1115).

(8) أخرجه مسلم (1114).