بحث عن بحث

هدي الرسول  في الجود والإنفاق (2-2)

إن الإنفاق والجود والكرم طهرة للنفس، وتزكية للقلوب، وأمان للأموال وتنمية لها، قال الله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا}(1).

كما إن في الإنفاق سترًا عن النار، ووقاية من عذاب جهنم، فقد روى الشيخان عنه ﷺ أنه قال: «اتقوا النار ولو بشق تمرة«(2).

وفي الإنفاق أيضًا تكفير للسيئات، ومحو للذنوب والخطيئات، روى الترمذي وغيره أن رسول الله ﷺ قال: «والصدقة تطفئ الخطية كما يطفئ الماء النار«(3).

وقال تعالى: {إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}(4).

وبإنفاق الأموال في الوجوه المشروعة يسلم المنفق من عواقبها وشرها، روى الطبراني وغيره أن رسول الله ﷺ قال: «من أدى زكاة ماله فقد ذهب عنه شره«(5).

وينبغي على المنفق أن يتحرى بإنفاقه النية الصالحة، فـ «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»(6)، وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ}(7).

فعليه أن يتحرى الإخلاص والتجرد، فلا يبتغي بذلك رياء ولا سمعة، فإنها بذلك تكون عليه حسرة ووبالًا، وقد ذكر رسول الله ﷺ أن الذين يبتغون الرياء والسمعة وغيرها من المقاصد الدنيوية الفاسدة يعرضون أنفسهم لخطر عظيم، فقد جاء في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أول الناس يقضى يوم القيامة ثلاثة، وذكر منهم رجلًا وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال، فأتى به فعرّفه نعمه، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت، ولكن فعلت ليقال: جواد – أي سخي كريم–  فقد قيل، فسحب على وجهه ثم ألقي في النار«(8).

ومما يساعد على الإخلاص: الإسرار في إخراجها، فهو أبعد عن الرياء والسمعة، وأدعى للتجرد، وأبعد عن ذل الفقير، فقد ورد أن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه«(9).

وعلى المنفق أن ينفق من خيار ماله وأجوده وأحبه إليه وما كان حلالًا؛ فإن الله سبحانه وتعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا(10). يقول سبحانه وتعالى: {لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}(11).

وعليه أيضًا أن يحذر من المن والأذى، ذلك أن الإنسان إذا رأى نفسه محسنًا إلى الفقير، منعمًا عليه بالإعطاء، ربما حصل منه ذلك، ولكنه لو حقق النظر لرأى أن الفقير محسن بقبول حق الله الذي هو طهرة له، والله تعالى يقول: {لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}(12).

أسأل الله تعالى أن يرزقنا الإخلاص في الأقوال والأعمال، واتباع سيرة سيد الأبرار، إنه سميع مجيب، وهو المستعان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [التوبة: 103]

(2) أخرجه البخاري (1417)، ومسلم (1016) واللفظ للبخاري.

(3) أخرجه الترمذي (614)، وقال: هذا حديث حسن غريب.

(4) [البقرة: 271]

(5) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (3/66): رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن، وإن كان في بعض رجاله كلام.

(6) أخرجه البخاري (1)، ومسلم (1907).

(7) [البينة: 5]

(8) أخرجه مسلم (1905)، والترمذي (2382).

(9) أخرجه البخاري (660)، ومسلم (1031).

(10) أخرجه مسلم (1015).

(11) [آل عمران: 92]

(12) [البقرة: 264]