بحث عن بحث

الرسول  وكثرة الأعمال الخيرية في رمضان وحثه على التنافس فيها

(2-2)

روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن أطعم اليوم مسكينًا؟ قال أبو بكر: أنا. قال النبي ﷺ: ما اجتمعت في امرئ إلا دخل الجنة«(1).

أما تنافسهم على مستوى الجماعة، فقد جاء في الصحيح أن جملة من فقراء الصحابة ن جاؤوا إلى رسول الله ﷺ شاكين حالهم، غابطين إخوانهم الأغنياء، لماذا؟! هل لأنهم أكثر منهم مالًا فقط؟ أم لأنهم يسافرون هنا وهناك؟ هل لأنهم يتمتعون بملذات الدنيا وهم محرومون؟ لا.

إذًا فما السبب الذي جعلهم يشكون حالهم إلى رسول الله ﷺ هذه الشكوى؟

لم يكن لشيء مما سبق ذكره، ولكن لأن الأغنياء وجدوا ما يتصدقون به وما ينفقونه ويبذلونه في مشاريع الخير وميادين العمل  الصالح؛ الجهاد والإطعام والإنفاق، فقالوا لرسول الله ﷺ: «ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق«.

همُّ هؤلاء الفقراء ومشكلتهم أن إخوانهم الأغنياء سبقوهم في هذا الميدان العظيم، فأحزنهم ذلك؛ لأنهم لم يجدوا ما ينفقون. ولكن يأتي الجواب الكبير بأن ميادين الخير كثيرة، ومساحات السباق متعددة، ومجالات الأجور متنوعة، فشمروا عن سواعد الجد وسابقوا ونافسوا، لذلك أرشدهم الرسول ﷺ إلى شيء من تلك الميادين ليعوض ما فقدوا، فدلهم على ذكر الله سبحانه وتعالى بأن يسبحوا الله ثلاثًا وثلاثين، ويحمدوه ثلاثًا وثلاثين، ويكبروه ثلاثًا وثلاثين، دبر كل صلاة مفروضة، ويختموا المائة بـ«لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير«(2).

هكذا كان حال السلف الصالح رضوان الله عليهم في التنافس والتسابق والحرص والجد والعمل والإنتاج، فينبغي لكل مؤمن أن يتأسى بهم ويحذو حذوهم، ليصل إلى ما وصلوا إليه من رضا الله تعالى، وبلوغ جنته، وصحبة نبيه محمد ﷺ، قدوة السالكين وأنموذج السائرين إلى مرضاة رب العالمين.

ولا شك أن كل منافس ومتسابق يطمع لنيل مركز متقدم في سباقه ومنافسته، ولا شك أيضًا أن ثمار التسابق وفعل الخير وكثرته عظيمة، ونتائجها مثمرة مرضية في الدنيا والآخرة، يقول الله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ . وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ . أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}(3).

إن التنافس في الأمور الشريفة، والمبادرة إلى مزيد من الأعمال الصالحة، يزيد التنافس شرفًا وهدى وتقى، ويفتح له من الخير ما لم يخطر له على بال، قال تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ}(4).

إن التنافس في الطاعات يضاعف الحسنات ويرفع الدرجات ويعلى المتنافس في أعلى المقامات، روى مسلم وغيره أن رسول الله ﷺ قال: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء«(5).

ومن أعظم ثمرات المنافسة في الخير: القرب من الرب جل وعلا، قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ . أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ}(6).

إن أبواب الخير كثيرة ومفتوحة للراغبين، والمؤمن العاقل الحصيف هو الذي يبادر إلى الخيرات، ويجني الثمرات، وبخاصة في هذا الشهر المبارك، شهر الخير والنفحات، والذي تضاعف فيه الأجور والحسنات، فالله الله في استغلال الأوقات، والله الله في الاقتداء بسيد الكائنات، والله الله في الإكثار من الصالحات، ما دام في الوقت مهلة، وفي العمر بقية، قبل فوات الأوان.

أسأل الله تعالى أن يعيننا على أنفسنا، ولا يكلنا إليها ولا إلى أحد من خلقه طرفة عين، إنه سميع قريب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه مسلم (1028).

(2) أخرجه مسلم (597).

(3) [آل عمران: 133 – 136]

(4) [محمد: 17]

(5) أخرجه مسلم (1017).

(6) [الواقعة: 10 – 11]