بحث عن بحث

حكمة الصيام: التقوى (4-4)

وفيه وجه آخر: وهو أن المعنى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون}: الكفران والتغافل والتجاهل بقدر النعمة عن شكرها، وذلك أن الناس إذا كانوا متمكنين طول الدهر ليلًا ونهارًا من الأكل والشرب، نسوا الجوع والعطش وغفلوا عن شدتهما، وبحسب ذلك يجعلون موقع نعمة الله عليهم بالطعام والشراب ويغفلون عن شكرها، ففرض الله عليهم الصوم مدة من المدد ليستشعروا أن التمكن من الأكل والشرب لا يقع بمجرد وجود الطعام والشراب، ولكن يحتاج مع الوجود إلى إطلاق المولى وإباحته، فيكون ذلك أطرًا لإيمانهم، ثم يكفوا عنها لوجهه، فيكون ذلك عبادة لهم، ثم يجدوا خلال الكف توقانًا إليهما ويصبروا، فيكون ذلك إذكارًا بقدر النعمة التي كانت عليهم طول الدهر بالإطلاق والإباحة، حتى إذا ردت إليهم شكروها وأدَّوْا حقها، وهذا لا شك أنه من أبواب التقوى، وهو نظير ما قيل في الأمراض.

وفيه وجه آخر: وهو أن يكون المعنى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} البخلَ وإهمال المحتاجين والتغافل عنهم، وذلك أن الجوع والعطش أمران جبل الناس عليهما، وفيهم أغنياء وضعفاء، فإذا استمر للأغنياء الأكل والشرب، فهؤلاء لم يدروا ما الجوع، ففرض عليهم الصيام مدة، حتى إذا أحسوا من تأخر الطعام عنهم باليسير من الجهد، تذكروا بذلك حالَ من يطوي يومًا بليلته أو أكثر من ذلك لا صائمًا ولا طاعمًا لشدة فقره، فيصير ذلك سببًا لعطفهم على الضعفاء والإحسان إليهم وشكرهم نعمة الله عندهم، ولا شك أن المواساة والإحسان من أبواب التقوى. ا.هـ.

إن أيام السنة تمضي، والعمر سرعان ما ينقضي، والأعمال المختلفة تتلاحق، والإنسان في دوامة من المشاغل لا تنتهي، ولا شك أنه تمر أوقات على المسلم وأحداث تنبهه للرجوع إلى مولاه، فيؤوب ويرجع، وسرعان ما يتلاشى ويضعف، وهكذا، وسبب ذلك كله ومرده إلى فقدان تلك الكلمة الصغيرة المبني، الكبيرة المعنى «التقوى»، فإذا ما دعتك نفسك الأمارة بالسوء إلى تجاوز حدود الله تعالى وسولت لك ارتكاب معصية أو مخالفة أمر فتذكر وتأمل «التقوى»، واجعلها نصب عينيك في بيتك، وبين أهلك، وأولادك، وفي مكتبك، وبين موظفيك، وفي الشارع، وبين إخوانك المسلمين، وفي خلوتك وانفرادك، وفي حالة أداء عبادتك وعلاقتك بربك، وفي كل شأن من شؤون حياتك.

ولعل المسلم في رمضان وهو يستشعر بركات هذا الشهر المبارك ونفسه تميل إلى فعل الخير وترغب في عمل الصالحات، يعاهد المسلم ربه لكي يحقق التقوى وهو يستشعر وصية الله له حين يسمع ربه يأمر بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}(1).

ومما ينبغي أن يتحلى به المؤمن لباس التقوى: {وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ}(2).

جعلني الله وإياكم من المتقين الأبرار، اللابسين لباس التقوى في الليل والنهار، إنه سميع قريب مجيب، وهو المستعان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [آل عمران: 102]

(2) [الأعراف: 26]