بحث عن بحث

حكمة الصيام: التقوى (3-4)

ويقول في بيان مزيد من تلك الأوصاف: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}(1).

وفي آيات أخرى يضيف أوصافًا أخرى فيقول: {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ . وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ}(2).

ويتحصل من مجمل ما مرَّ من آيات عظيمة أن من أبرز صفات المتقين: الإيمان بالغيب، وإقامة الشعائر التعبدية: كالصلاة، والصيام، والإنفاق في سبيل الله من الزكاة المفروضة، والصدقة المستحبة، والتبرع في مجالات الخير المختلفة، والأخلاق العالية التي تصل في علوها إلى درجة ضبط عواطف الإنسان وكبح نزواته وتحمل سيئات الآخرين عليه، والتوبة والاستغفار، والإنابة عند الزلل والوقوع في المعصية على حين غفلة أو ضعف نفس، وكذا الاستجابة الفورية لنداءات الله تعالى فيكون القلب حاضرًا لتلبية تلك النداءات.

وإذا بحثت عن التقي وجدته *** رجلًا يصدق قوله بفعالِ

وإذا اتقى الله امرؤ فأطاعه *** فيداه بين مكارم ومعالِ

قال البيهقي رحمه الله(3): قال الله عز وجل: {صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ}(4).

قال أبو عبد الله الحليمي : التقوى فعل المأمور به والمندوب إليه واجتناب المنهي عنه والمكروه المنزه عنه، لأن المراد من التقوى وقاية العبد نفسه من النار، وهو إنما يقي نفسه النار بما ذكرت.

قال: والصلاة أحد شعبها، قال الله عز وجل: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}(5).

والانتهاء عن الفحشاء والمنكر هو التقوى، وهذا لأن من حبب الله إليه الصلاة ووفقه لها وذلل أعضاءه وجوارحه بها، لم يكن إلا منتهيًا عن الفحشاء والمنكر، وكذلك الصيام من شعبها؛ لأن التملؤ من الطعام والشراب رأس البواعث على الفحشاء والمناكير، ومعلوم في العادات أن الجائع العطشان لا يجد في نفسه من قلق الشهوات ما يجده منه الممتلئ من الطعام والشراب، وإذا كان كذلك فقد حصل من الصيام التقوى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [البقرة: 177]

(2) [آل عمران: 133 – 135]

(3) الجامع لشعب الإيمان (7/167 – 169).

(4) [البقرة: 183]

(5) [العنكبوت: 25]