بحث عن بحث

الرسول والصوم (1-2)

ليعلم المسلم – الساعي إلى مرضاة ربه، الحريص على اقتفاء آثار الرسول ﷺ في كل دقيق وجليل– أن أفضل الأوقات وأحلى الساعات، هي التي يقضيها المسلم مع رسوله الكريم في هذا الشهر الطيب المبارك، ليقف على مشروعية الصيام وكيف كان يعيش النبي ﷺ في هذا الشهر، حيث يمثل جزءًا مباركًا من حياة رسولنا الكريم، عليه أفضل الصلاة وأتمَّ التسليم.

كيف لا وقد كان بدء الوحي في رمضان، عندما جاء جبريل عليه السلام إلى رسول الله ﷺ وهو يتعبد في غار حراء، فضمه جبريل ضمة شديدة ثم أرسله، فقال: «اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ . اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ . الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ}(1) إلى آخر ما جاء في قصة نزول الوحي وتتابعه(2).

وفي هذا إشارة إلى عظم هذا الشهر الكريم ومنزلته، بالرغم من أنه لم يفرض صيام شهر رمضان في ذلك الوقت، ولكن الرسول ﷺ كان يصوم أيامًا معينة مختلفة، ذكر أهل العلم أنها على ثلاثة أطوار:

الطور الأول: أيامًا معدودات، قيل: إنها الإثنين والخميس، وقيل: ثلاثة أيام من كل شهر، وقيل: ذكر الأيام المعدودات تخفيفًا وتهوينًا، وإلا فهي الشهر نفسه.

والطور الثاني: التخيير، قال تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}(3).

فكانوا مخيرين بين الصيام والإطعام.

والطور الثالث: الإلزام، قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}(4).

فلم يرخص في ترك الصيام إلا في حالة وجود عذر: كالسفر والمرض، قال تعالى: {وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}(5).

وقد كان الصيام مفروضًا على من قبلنا، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(6).

لكن كيفية صيامهم تختلف؛ حيث يبدأ الإمساك عندهم من بعد صلاة العشاء، أو بعد أول نومة ينامها الشخص من الليل، ثم يستمر على صيامه بقية الليل وجميع النهار حتى تغرب الشمس.

ومما كان في تشريع الصيام أنه يحرم فيه مباشرة النساء وجماعهن، فكان صيام الناس كذلك، فحدثت حادثتان أثرتا على رسول الله ﷺ:

الأولى: أن رجلًا من أهل قباء كان يعمل في مزرعته طوال نهاره، فلما جاء إلى بيته بعد غروب الشمس، وذهبت زوجته لتأتيه بالإفطار، غلبته عيناه فنام، فلم يستطع الأكل، وواصل صومه إلى الغد، ولما حان الظهر أغمي عليه جراء الجوع والتعب، فأخبر بذلك الرسول ﷺ فحزن له(7).

والحادثة الثانية: أن رجلًا غلبته نفسه على امرأته، فوقع عليها – أي جامعها(8)– فجاء وأخبر رسول الله ﷺ فاشتد الأمر، وبعد ذلك جاءت الرخصة من الله تعالى وجاء التخفيف، ونزل قول الله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}(9).

وكان الرسول ﷺ بعد ذلك يبادر بالإفطار إذا غربت الشمس، ويؤخر السحور إلى آخر الليل قبل الفجر، كما سيأتي تفصيله.

هذه لمحة عن أطوار الصيام وتشريعه في عهد رسول الله ﷺ، فاستقر تشريعه في السنة الثانية من الهجرة النبوية، واستقر عليها تشريع الصيام إلى أن تقوم الساعة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [العلق: 1 -5]

(2) أخرجه البخاري (3)، ومسلم (160)، وينظر ما كتبته حول هذا الحديث بعنوان: حديث «بدء الوحي»، وقفات وتأملات).

(3) [البقرة: 184]

(4) [البقرة: 185]

(5) [البقرة: 185]

(6) [البقرة: 183]

(7) أخرجه البخاري (1915).

(8) أخرجه البخاري (1936)، ومسلم (1111، 1112).

(9) [البقرة: 187]