بحث عن بحث

العلاقات الاجتماعية (2-2)

الوقفة الثالثة:

وتتسع دائرة الصلة لتشمل الرحم والأَقارب، فلهم شأن عظيم، وأمرهم كبير، وميزانهم في دين الله جل وعلا دقيق، هذه الرحم المتعلقة بعرش الرحمن تطالب بأن يصل الله سبحانه وتعالى من وصلها ويقطع من قطعها، كما صح ذلك عن رسول الله ﷺ، فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائد بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذلك لك«(1).

ثم قال رسول الله ﷺ: اقرؤوا إن شئتم: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ . أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ}(2).

فمن حقوق القرابة: السلام والكلام الطيب، والسؤال عن الحال، والزيارة والهداية، والتهنئة بالنعمة، والدعوة للاجتماع، ومساعدة المدين المعسر، وبذل الجاه، وقضاء الحاجات، والتلطف في ا لتعامل، فهذه وأمثالها مما يزيد في الوصال، وتنمي المال والرزق والعمر، وتزيد في الحسنات، وتكفر السيئات، وترضي الخالق سبحانه وتعالى.

وإن الناظر في أحوال الناس ليجد مظاهر لا ترضى الله تعالى، وتزيد الضغينة والقطيعة، وتوقع في الإِثم، نجد انقطاعًا وهجرًا، وهمزًا ولمزًا، وحقدًا وبغضًا؛ فهذه كلها سبب لغضب الله تعالى، وعقوبته العاجلة والآجلة.

الوقفة الرابعة:

أخي المسلم: يتعامل كل مسلم مع أقاربه على أساس الدين، فيحب لهم ما يحب لنفسه، ويقوم بتلك الأعمال الجليلة، هذا ما يوحيه الوصف الإِيماني الذي يتصف به المؤمن وهو يصوم في هذا الشهر المبارك.

والعلاقة الإِيمانية بين المسلمين بعامة لا تنقطع، فكل له حقوقه وواجباته، ناهيك إذا كان المسلم عالـمًا من علمائك، أو صاحب معروف عليك، أو جارًا من جيرانك، فهؤلاء وأمثالهم تزداد حقوقهم، وتتأكد في حالة الصلة والقربى، روى مسلم أن رسول الله ﷺ قال: «حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصحه، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه«(3).

وكل هذه الحقوق مدارها على المحبة والمودة والإِخاء والصفاء، فمن مقتضيات الإيمان بالله تلك المحبة والمودة، جاء في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأَخيه ما يحب لنفسه»(4)، فهل وضعت أخي المسلم في برنامجك اليومي والأسبوعي، زيارة من له حق عليك، وإعانة من هو محتاج، وسدًّا لمعوز، ودعوة لضال، وعطفًا على مسكين أو يتيم، ومساعدة للاجئين والمجاهدين من إخوانك المسلمين، ودعاءً في وقت إجابة لهم؟

إن المؤمن وهو يعيش في ظلال هذا الشهر يراجع نفسه؛ ليجدد تلك المعاني لكل من له صلة به، ليقوم بهذه الصلة في مختلف أبوابها وشعبها.

أسأل الله تعالى أن يتقبل من الجميع أعمالهم، وأن يبصرهم بشؤون دينهم، ويقوّي علاقتهم على أساس من المودة والمحبة، وأن يرحم موتاهم، ويسير أمورهم، إنه سميع مجيب وهو المستعان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رواه البخاري (8/579)، برقم(4832) في تفسير سورة محمد، باب قوله تعالى: ﴿﴾، ومسلم (4/1980)، برقم(2554) في البر والصلة، باب صلة الرحم.

(2) [محمد: 22 – 23]

(3) رواه مسلم (4/1705)، برقم(2162) في السلام، باب من حق المسلم على المسلم رد السلام، والبخاري في الأدب المفرد، برقم(925)، والإمام أحمد في المسند (2/372).

(4) رواه البخاري مع الفتح (1/57)، برقم(13) في الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحبّ لنفسه، ومسلم (1/67) (45) في الإيمان.