بحث عن بحث

ليلة القدر خير من ألف شهر (2-3)

الوقفة الثانية:

ويزيد من شرف هذه الليالي، ويرفع من قدرها: أن أنعم الباري جل وعلا على عباده المؤمنين بأن جعل فيها ليلة خيرًا من ألف شهر، نعم ألف شهر، ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر، نعمة أعْظِمْ بها من نعمة، ومنحة أعظم بها من منحة، وفرصة ربانية لا يوفق لها إلا المخلصون لله أعمالهم، العاملون للصالحات، التائبون لربهم، الخائفون منه سبحانه، الراجون لرحمته ومغفرته.

يقول فيها جل وعلا: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ . لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ . تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ . سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ}(1).

ويقول سبحانه أيضًا: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ . فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ . أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا ۚ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ . رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ . لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ}(2).

فهي ليلة مباركة لكثرة خيرها وبركتها وفضلها، كيف لا وهذا القرآن العظيم أنزل فيها، وفيها يفصل من اللوح المحفوظ ما هو كائن من أمر الله سبحانه وتعالى في تلك السنة من الأَرزاق والآجال، والخير والشر، وغير ذلك من كل أمر حكيم؟

وهي خير من ألف شهر في الفضل والبركة والشرف وكثرة الثواب والأَجر، وفيها تتنزل الملائكة الذين لا يستكبرون عن عبادة ربهم ولا يستحسرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، يتنزلون إلى الأَرض بالخير والبركة والرحمة.

وهي سلام للمؤمنين من كل مخوف؛ لكثرة من يعتق فيها من النار، ويسلم من عذابها.

وفيها تغفر الذنوب، وتُقال العثرات، ويُعفى عن الزلات، وتستجاب الدعوات، لمن قام في تلك الليلة مؤمنًا بربه، واثقًا من عطاياه، محتسبًا للأجر والثواب، مخلصًا النية، مقتديًا بالمصطفى ﷺ، جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه«(3).

الوقفة الثالثة:

يقول صلوات الله وسلامه عليه في بيان تحديد ليلة القدر: «تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان»(4) متفق عليه. وهي في الأوتار أقرب من الأشفاع، فقد روى البخاري وغيره أن النبي ﷺ قال: «تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان»(5)، وفي السبع الأواخر منه أقرب؛ لما روى الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهماأن رجالًا من أصحاب النبي ﷺ أُروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال النبي ﷺ: «أرى رؤياكم قد تواطأت – يعني اتفقت – في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر»(6)، وأقرب أوتار السبع الأواخر ليلة سبع وعشرين، فعن أبيِّ بن كعب رضي الله عنه أنه قال: «والله إني لأعلم أي ليلة هي الليلة التي أمرنا رسول الله ﷺ بقيامها، هي ليلة سبع وعشرين»(7). رواه مسلم.

واعلموا – أيها المسلمون – أن ليلة القدر لا تختص بليلة معينة في جميع الأعوام بل تنتقل من عام لآخر، وقد أخفى الله سبحانه وتعالى علمها على العباد رحمة بهم؛ ليكثروا عملهم في طلبها في تلك الليالي الفاضلة كلها بما يقربهم إليه سبحانه من الصلاة والذكر والدعاء وقراءة القرآن، والصدقة والبر وإعانة المحتاج، وغير ذلك من الأعمال الصالحة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [القدر: 1-5]

(2) [الدخان: 3 – 8]

(3) رواه البخاري مع الفتح (4/115)، برقم(1901) في الصوم، باب من صوم رمضان، ومسلم (1/524)، برقم(760) في صلاة المسافرين، باب الترغيب في قيام رمضان.

(4) رواه البخاري مع الفتح (4/259)، برقم(2020) في ليلة القدر، باب تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر، ومسلم (2/828) في كتاب الصيام، باب فضل ليلة القدر.

(5) رواه البخاري (4/259)، برقم(2017) في ليلة القدر، باب تحري ليلة القدر.

(6) رواه البخاري (4/256)، برقم(2015) في ليلة القدر، باب التماس ليلة القدر في السبع الأواخر، ومسلم (2/822) في كتاب الصيام، باب فضل ليلة القدر.

(7) رواه مسلم (2/828)، برقم(7620) في الصيام، باب فضل ليلة القدر.