بحث عن بحث

اللسان (3-3)

الوقفة الرابعة:

إن من دلائل الفلاح والكمال للمسلم أن يسخِّر هذه الأداة الفاعلة، وأن يوجه كلمته فيما يخدم به مصلحة نفسه وأسرته ومجتمعه، ويخدم دينه، فما تقوم الدعوة إلى الخير، والإِصلاح بين الناس، والدلالة والإِرشاد إلى الفضيلة، وتوجيه الناس نحو ما ينفعهم، والنصح للمسلمين وتصحيح سلوكهم، بالقول المباشر، أو بالنصح العام عن طريق الكتاب والإِذاعة والصحيفة، إلا عن طريق هذه الكلمة المتلفظ بها أو المكتوبة، يقول تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}(1)، وكذا لا يتقرب العبد إلى الله بذكر وقراءة، وتسبيح وتحميد، وتكبير وتهلل، إلا عن طريق هذه الكلمة.

يقول سبحانه في وصف عباده المؤمنين: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ}(2)، ويقول: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ}(3).

الوقفة الخامسة:

لو قلّبت طرف في واقع كثير منا؛ لهالك استخدام هذا اللسان في لغو الحديث، ألا يروعك أخي المسلم أن تجد كثيرًا من القصص المنشورة، وكثيرًا من الكلمات المذاعة والمنشورة، وحديث المجالس من غيبة ونميمة، وسباب وتفرق، وتقعر في الكلام وتشدق به، ومجاملات مكشوفة، وغير ذلك من المحرمات واللغو المنهي عنه؟ ألا يخشى من يكتب كلامًا يضلل به عباد الله في كتاب أو صحيفة أو مجلة؟ ألا يخشى من يعمر مجلسه بخدش عرض فلان أو فلان؟ وناهيك إن كان المخدوش من أهل العلم والخير! ألا يخشى من يكذب ويخادع ويعامل بالزور والبهتان؟ ألا يخشى هؤلاء وأمثالهم أن هذه الكلمة التي تلفظوا بها تهوي بهم في الناس سبعين خريفًا؟ وليتأمل هؤلاء وغيرهم قول الباري جل وعلا: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}(4)، وقوله: {سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا}(5).

أيها المسلمون الكرام:

إن من الغبن الفاحش أن لا يجعل المرء هذه الأداة عونًا على طاعة الله تعالى، وتحصيل الحسنات، وكسب الأجور، ورفع الدرجات، ورمضان الكريم – وهو شهر المحاسبة والرجوع إلى الله – حريٌّ أن يقف فيه المسلم مع هذه الآلة؛ ليتفكر في حاله، ويحاسب نفسه، فهو شهر القرآن والذكر والدعاء والدعوة والإِصلاح.

جعلني الله وإياكم ممن تشهد له جوارحه يوم القيامة، ولا تشهد عليهن كما أساله سبحانه أن يرزقنا الإِخلاص في الأَقوال والأَعمال، والعفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، إنه سميع مجيب وهو المستعان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [فصلت: 33]

(2) [المؤمنون: 1 – 4]

(3) [القصص: 55]

(4) [ق: 18]

(5) [آل عمران: 181]