بحث عن بحث

اللسان (2-3)

الوقفة الثانية:

عَرَف السلف الصالح – رحمهم الله – عظم هذه الأداة وأهميتها، فرعوها حق رعايتها، واستخدموها فيما ينبغي أن تستخدم فيه، خافوا من آفات اللسان وخشوا أن يوردهم المهالك، كان أبو بكر رضي الله عنه يمسك لسانه ويقول: «هذا الذي أوردني الموارد» وكان ابن عباس رضي الله عنه يأخذ بلسانه ويقول: «ويحك! قل خيرًا تغنم، أو اسكت عن سوء تسلم، وإلا فاعلم أنك ستندم» فقيل له: يا ابن عباس، لم تقول هذا؟ قال: «إنه بلغني أن الإِنسان ليس على شيء من جسده أشد حنقًا أو غيظًا يوم القيامة منه على لسانه، إلا من قال خيرًا أو أملى به خيرًا»، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه، ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به«.

وقال الحسن البصري رحمه الله: «اللسان أمير البدن فإذا جنى على الأَعضاء شيئًا جنت، وإذا عفّ عفّت«.

فلنا في هؤلاء السلف قدوة وأسوة في ضبط اللسان، لنزن الكلمة ميزانًا دقيقًا، فإذا خرجت كانت في موضعها.

الوقفة الثالثة:

قد يندم الإِنسان عندما يسكت، لكن الندامة تكون أكثر عند ما يتكلم بكلام يأسف عليه، كالكلام بالباطل أو اللغو:

وزن الكلام إذا نطقت *** ولا تكن مكثارا

ما إن ندمت على سكوتي مرة *** ولقد ندمت على الكلام مرارا

لذا حذّرنا الشارع من الخوض في الباطل بأشكاله وأنواعه، وعلى رأس هذا اللغو: الاستهزاء بالله تعالى، أو بالرسول ﷺ، أو بالدين وتعاليمه، أو رجاله، أو أهل الحسبة والعلم والدعوة، يقول سبحانه مبينًا كفر من يستهزئ بالدين وأهله: {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ ۚ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ . وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ . لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ۚ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ}(1).

ومن اللغو والباطل: الاستهزاء بالناس والسخرية بهم بعامة، والكلام في أعراضهم، والسعي بينهم بالغيبة والنميمة، وفحش القول، وخداعهم والكذب عليهم، وسبهم وشتمهم، وحب إشاعة الفاحشة بينهم، والبحث عن عوراتهم، والتندر بذلك، وانتقاصهم الخَلْق والخُلق؛ فإن هذه آفات خطيرة يزل بها اللسان فتورده الموارد، ففي مسند الإِمام أحمد رضي الله عنهأن النبي ﷺ قال: «لا تؤذوا عباد الله ولا تعيّروهم ولا تطلبوا عوراتهم، فإن من طلب عورة أخيه المسلم طلب الله عورته حتى يفضحه في بيته«(2).

ورحم الله القائل:

لسانك لا تذكر به عورة امرئ *** فكلك عورات وللناس ألسن

وإن عينيك أبدت إليك مساوئًا *** فصنها وقل يا عين للناس أعين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [التوبة: 64 – 66]

(2) رواه الإمام أحمد في المسند (5/279).