بحث عن بحث

الصحة ورمضان (2-2)

ثانيًا: لا شكَّ أن الإنسان في هذه الدنيا معرض لابتلاء الله تعالى، وعلى قدر إيمان الإنسان يكون ابتلاؤه، والأَمراض بمختلف أنواعها من أنواع الابتلاء، وقد علمنا الإِسلام طرقًا كثيرة للوقاية من تلك الأَمراض، ومن أهمها:

1- النظافة المستمرة للجسم ظاهرًا وباطنًا، ونظافة البيوت والمساجد والطرقات، كما أن نظافة الباطن من المعاصي حصانة كبرى من الأمراض الحسية والمعنوية، ومما ورد في ذلك قوله فيما رواه الحاكم وغيره: «ما ظهرت الفاحشة في قوم قط حتى يعمل بها علانية إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم»(6).

وكم من الأمراض تحصل بسبب مخالفة شرع الله وارتكاب نواهيه؟ وكم من أنواع البلايا حصلت بسبب اختلاط الجنسين اختلاطًا غير شرعي؟

2- ومن طرق الوقاية: الاهتمام بالمطعم والمشرب، وفي مقدمة ذلك: أن يكون حلالًا طيبًا، وأن لا يكون ضارًّا بالجسم أو العقل، وفي هذه المناسبة أوجِّه دعوة صادقة للذين ابتلاهم الله تعالى بتناول شيء من المخدرات أو المسكرات وما شابهها كالتدخين مثلًا، واعتادوا على ذلك: وأدمنوا عليه، أوجه دعوة لهم بمناسبة هذا الشهر الكريم أن يحاولوا جادين الإِقلاع عن هذه الأُمور المحرمة، مستغلين هذا الشهر المبارك بما يفرض عليهم من كسر شهوة أنفسهم، مستغلين فترات إجابة الدعاء ليرفعوا أيديهم سائلين الله أن يعافيهم مما ابتلاهم به، والله سبحانه وتعالى يجيب دعوة المضطر إذا دعاه، أوجه دعوة صادقة ليرأفوا بأنفسهم وأجسادهم وأموالهم وأعراضهم وأولادهم، فخطر هذه الأُمور عظيم وشرها مستطير.

أيها المسلمون الكرام:

ومن طرق الوقاية أيضًا: الاعتدال في المطعم والمشرب، ومن ذلك ما ورد عن النبي من آثار في ذلك، ومنها: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرًّا من بطنه»(7)، ومنها: «إياكم والبطنة فإنها مفسدة للدين، مورثة للسقم – يعني المرض – مكسلة عن العبادة»(8)، ومنها: «إذا شرب أحدكم فلا يتنفَّس في الإِناء»(9)، وغير ذلك من النصوص الكثيرة التي لا يتسع المجال لسردها.

3- ومن منهج الإِسلام الصحي: الإيمان التام بأن ما حصل للإنسان من أمراض ونحوها بعد أخذه بالأسباب ما هو إلا بتقدير الله سبحانه وتعالى، ولا يزل هذا المرض إلا هو سبحانه وتعالى، فإذا قابل هذا المرض بهذه العقيدة يكون مرضه أجرًا وثوابًا له، روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود: «ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حطّ الله به سيئاته كما تحطّ الشجرة ورقها»(10)، وروى البخاري أيضًا عن النبي أنه قال: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير؛ إن أصابته سرَّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له»(11).

ومع ذلك أمرنا بالأخذ بالأَسباب قبل وقع المرض بالوقاية منه، وبعد وقوعه بالتداوي بما أحل الله لنا، روى مسلم عن جابر مرفوعًا: «لكل داء دواء فإن أصاب دواء الداء برأ بإذن الله»(12)، والآثار في هذا كثيرة، ومن أهم طرق العلاج قبل المرض وبعده: الصيام فرضًا ونفلًا، فلله الحكمة البالغة سبحانه من عليم حكيم.

أيها المسلمون الكرام:

ونحن على مشارف ختام شهرنا علينا أن نمعن النظر في مثل هذه الأَشياء، ليتقوى إيماننا وصلتنا بربنا سبحانه، ونمضي في هذه الحياة بعزم وصدق في التمسك بديننا، وأسأل الله جل وعلا أن يرزقنا العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدنيا والآخرة، إنه سميع مجيب وهو المستعان.

_______

(6) رواه ابن ماجه (2/1332)، برقم(4019) في الفتن، باب العقوبات، والحاكم (4/540) في الفتن والملاحم، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

(7) رواه الترمذي (4/510)، برقم(2380) في الزهد، باب ما جاء في كراهية كثرة الأكل، وأحمد (4/132)، وابن ماجه برقم(3349) في الأطعمة، باب الاقتصاد في الأكل.

(8) رواه ابن حبان في المجروحين (2/35) في ترجمة «عبد الله بن عبد الرحمن الجزري»، وذكره ابن حجر في اللسان (3/307).

(9) رواه البخاري (1/253)، برقم(153) في الوضوء، باب النهي عن الاستنجاء باليمين، ومسلم (1/225)، برقم(267) في الطهارة، باب النهي عن الاستنجاء باليمين.

(10) رواه البخاري (10/120)، برقم(5659) في المرضى، باب وضع اليد على المريض، ومسلم (4/1991)، برقم(2571) في البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من نصب أو حزن أو نحو ذلك.

(11) رواه مسلم (4/2295)، برقم(2990)، في الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير.

(12) رواه البخاري مع الفتح (10/134)، برقم(5678) في الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، ومسلم (4/1728)، برقم(2203) في السلام، باب استحباب وضع يده على موضع الألم مع الدعاء.