بحث عن بحث

الصحة ورمضان (1-2)

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه واتبع رضوانه، أما بعد:

فقد تحدثنا فيما سبق عن بعض دروس رمضان، وفيما يلي نقف مع درس من هذه الدروس العظيمة، نستفيده من هذا الشهر المليء بالحِكم والأسرار، نعم أيها الإخوة المسلمون: إن المسلم يكفيه في الحث على الصيام وغيره من الطاعات أن يقال له: إن الله أمرك بالصيام، دون أن تعدّد فوائده وأسراره؛ وذلك لأَن المسلم مطلوب منه العبودية الكاملة لله، ولكن مع ذلك علّمنا الله سبحانه وتعالى سِرَّ كثير من العبادات وحِكَمِها؛ لنقف عندها متفكرين عاملين، مدركين أن هذا التشريع الإلهي قام على أَساس ما يحقق مصالح الناس وما يدفع عنهم الأضرار، ولذا نجد أن الله سبحانه وتعالى في كثير من الآيات التي بينت الأَحكام يعقبها بذكر الحكمة منها، فهو حين أمر المؤمنين بغض أبصارهم نبَّهنا إلى الفائدة من ذلك، فقال: ﴿ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ﴾ [النور: 30].

وعلى هذا فالمدقق في الصيام يجد أن من أسراره العظيمة: حفظ الجسد والصحة، ومع بعض آثار الصوم الصحيحة نقف الوقفات الآتية:

الوقفة الأولى:

جاء في بعض الآثار عن الرسول فيما رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة مرفوعًا: «سافروا تربحوا، وصوموا تصحوا، واغزوا تغنموا»(1) وهذا الحديث وإن كان في إسناده ضعف إلا أن معناه صحيح، وقد ذكر ابن القيم تأكيدًا لهذا ومبيِّنًا بعض آثار الصوم الصحيحة قائلًا: «وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة، والتقوى الباطنة، وحمايتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة، التي إذا استولت عليها أفسدتها، واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحتها، فالصوم يحفظ القلب والجوارح صحتها، ويعيد ما استلبته منها أيدي الشهوات، فهو من أكبر العون على التقوى، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]، وقال النبي : «الصوم جنة»(2)، وأمر من اشتدت عليه شهوة النكاح – ولا قدرة له عليه – بالصيام، «وجعله وجاء هذه الشهوة»(3). انتهى كلامه.

الوقفة الثانية:

إننا إذا دقَّقنا النظر في التشريع الإسلامي نجد أنه وضع للمسلم منهجًا متكاملًا في معاملته مع جسده، وهنا أذكر شيئًا من معالم ذلك المنهج:

أولًا: لا شكَّ أن الصحة والعافية من نعم الله، والكثير من الناس يفرِّطون في هذه النعمة، فلا يستغلونها بما يفيد وينفع، ولذا فقد ورد في الحديث الصحيح: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»(4)، وجاء الحث أيضًا بأن من أفضل الدعاء: سؤال الله العفو والعافية والمعافاة في الدنيا والآخرة، روى الترمذي وغيره عن أنس: أن رجلًا جاء إلى النبي ، فقال: يا رسول الله أي الدعاء أفضل؟ قال: «سل ربك العفو والعافية والمعافاة في الدنيا والآخرة»، ثم أتاه في اليوم الثاني فقال: يا رسول الله أي الدعاء أفضل؟  فقال له مثل ذلك، ثم أتاه في اليوم الثالث فقال له مثل ذلك، ثم قال: «فإذا أعطيت العافية في الدنيا وأعطيتها في الآخرة فقد أفلحت»(5).

والعافية في الدنيا من أغلى ما يطلبه الإِنسان ويتمناه، ومما يزيد العافية: الصوم؛ إذ به تحفظ الجوارح الظاهرة والباطنة.

------------

(1) رواه الإمام أحمد في المسند (3/380).

(2) رواه البخاري مع الفتح (4/118)، برقم(1904) في الصيام، باب هل يقول: إني صائم، ومسلم(2/806)، برقم(1151) في الصيام، باب فضل الصيام.

(3) لفظ الحديث: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء» رواه البخاري مع الفتح (9/106)، برقم(5065) في النكاح، باب قول النبي : «من استطاع منكم الباءة فليتزوج»، ومسلم(2/1018)، برقم(1400) في النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه.

(4) رواه البخاري مع الفتح (11/229)، برقم(6412) في الرقاق، باب ما جاء في الرقاق.

(5) رواه الترمذي (5/499)، برقم(53120) في الدعوات، باب رقم(85)، وابن ماجه (2/1265)، برقم(3848) في الدعاء، باب الدعاء بالعفو والعافية.