بحث عن بحث

من مفسدات الصيام (1-2)

 

الحمد الله الذي امتنَّ على عباده المؤمنين بصوم شهر رمضان، وتفضل عليهم بالعفو والغفران، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خير من صلَّى وصام، وقام لله حق القيام، وعلى آله وأصحابه البررة الكرام، والتابعين ومن تبعهم بإحسان، أما بعد:

فقد وقفنا فيما سبق مع ما ينبغي أن يتنبه له كل مسلم صائم، مبتدئًا بتجريد نيته لله سبحانه وتعالى في صيامه وعبادته كلها، مستشعرًا لحكمة العظيمة من صومه، محيطًا صومه بكل ما يزينه من أنواع الطاعات والقربات، مستفيدًا من هذه الشعيرة العظيمة؛ لتدفعه نحو كل ما يقربه إلى الله سبحانه وتعالى.

ومما يعين على ذلك: أن يجنب صومه كل ما يشينه، أو يخدش صفاءه، أو ينقص أجره، فضلًا عما يحبطه، أو يضيع جهده هباءً منثورًا، ولعلّنا نقف بعض الوقفات التي تذكرنا بما ينبغي أن يبتعد عنه المسلم وهو يمارس هذه العبادة الجليلة:

 

الوقفة الأولى:

يقول الله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّـهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187].

في هذه الآية الكريمة ذكر المولى جل شأنه أصول المفطرات الحسية التي ما أن يرتكبها المكلف عامدًا إلا ويفسد صومه، ويعرض نفسه لخطر عظيم.

في مقدمة هذه المفطرات: الأَكل والشرب، وذلك من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، والذي ذكره الله جل وعلا يقوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187].

فمن أكل أو شرب من بعد أذان الفجر إلى غروب الشمس من غير عذر فقد ارتكب جرمًا عظيمًا، واحتمل إثمًا مبينًا، روى أصحاب السنن عن أبي هريرة أن رسول الله قال: «من أفطر يومًأ من غير رخصة ولا مرض لم يقض عنه صوم الدهر كله وإن صامه»(1)، وهذا قد يُستدل به على عِظَم الوزر، لكنه لا ينفي وجوب القضاء والكفارة الثابتين بأحاديث صحاح أصح من هذا الحديث، ويتبع الأَكل والشرب: كل ما يصل إلى الجوف عن طريق الفم أو الأَنف أو غيرهما مما يُغذَّى به الجسد.

 

ومن المفطرات الحسية: الجماع في نهار رمضان، وهو أعظم المفطرات وأكرها إثمًا وأشدها جرمًا، فمع بطلان الصوم وفساده يجب القضاء والكفارة المغلظة، وهي عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا، مع التوبة والاستغفار والإنابة إلى الله جل وعلا.

ومن هذا نعلم أن هذه الأمور المحظورة في نهار رمضان تعطي دلالة واضحة للصائم بأنه عليه أن يصوم صومه، وأن يبتعد عن كل شبهة تؤدي إلى إفساد صومه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتفع فيه.

 

ومما ينبه عليه: أن هناك مسائل ومشكلات في المفطرات؛ كخروج الدم، ومقدمات الجماع، وتناول بعض الأَدوية كالبخاخات للفم أو للأنف، وضرب الإبر المغذية والمعالجة، وخلع الأسنان، وغيرها مما يشكل على كثير من الصائمين والصائمات؛ فينبغي أخذ الحيطة وصيانة الصيام، وذلك بسؤال أهل العلم عن هذه القضايا والمسائل؛ لئلا يقع المسلم في المحظور وهو لا يدري، والمشايخ والعلماء كثر والحمد لله، وتيسرت سبل الاتصال بهم، فلم يبق عذرٌ للمقصرين في رفع الجهل عن أنفسهم.

 

--------

(1) رواه البخاري معلقًا كما في الفتح (4/160) في الصيام، باب إذا جامع في رمضان، ورواه أبوداود (1/729)، برقم(2396) في الصيام، باب التغليظ في من أفطر عمدًا، والترمذي (3/101)، برقم(723) في الصيام، باب ما جاء في الإفطار متعمدًا.