بحث عن بحث

حكمة الصيام (التقوى) -1

 

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، أحمده سبحانه، وعد الصائمين المتقين أجرًا كبيرًا، وأعد لهم خيرًا كثيرًا، وصلى الله على المبعوث رحمة للعالمين، وهداية للخلق أجمعين، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين، وسلم تسليمًا كثيرًا،أما بعد:

فإنه ما إن يدخل شهر رمضان المبارك إلا وتتغير حياة المسلمين، منفذين أمر ربهم جلَّ وعلا، بالقيام بالركن الرابع من أَركان الإسلام، والذي أعلنه المولى في أول آية تتحدَّث عن الصيام، وهي الآية الثالثة والثمانون بعد المائة من سورة البقرة، وختم الآية بالحكمة العظيمة من تكليف الأُمة بالصيام بعد أن خاطبهم جل شأنه في أهم صفاتهم؛ ليتم الربط القوي بين هذا الوصف العظيم، وتلك الحكمة الجليلة، هذه الآية هي التي سنقف معها متأملين مخاطبة المولى لعباده المؤمنين، مستخرجين شيئًا مما تنطوي عليه من الفوائد والفرائد، متدبرين حالنا وتطبيقاتنا في جمع شؤون حياتنا، تلكم هي قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].

 

الوقفة الأولى:

يخاطب المولى سبحانه وتعالى المؤمنين بهذا الوصف العظيم ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ آمنوا بالله ربًّا وبالإِسلام دينًا وبمحمد غ نبيًّا ورسولًا، آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، آمنوا بذلك اعتقادًا في قلوبهم، وصدقته أقوالهم بألسنتهم، وظهر أثر ذلك على جوارحهم بعملهم وتطبيقاتهم في جميع شؤون حياتهم، فلم يخدشوه بمعصية فيقل إيمانهم، ويضعف يقينهم، ولم يهملوه في بعض جوانب حياتهم فينقص إيمانهم، ولم يشككوا فيه أو في أجزاء منه فيتزلزل يقينهم.

هذا النداء العظيم – أخي المسلم – من الرب الكريم- حريٌّ بسامعه المؤمن أن ترتعد فرائصه، وأن يرعوي سمعه عند سماعه لهذا النداء؛ ليعي ويفقه ما بعده، ألا ترى عند مناداة عظيم من عظماء البشر لأَحد الناس ممن تحت يده، كيف تكون استجابته فضلًا عن سماعه له ووعيه لما يتلفظ به، وسكون جوارحه حال كلامه! ولله العليِّ الأَعلى المثلُ الأَعلى.

هذه الصفة للمؤمنين هي حالة سلف هذه الأُمة من الصحابة الكرام الذين يتمثلون قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّـهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [الأنفال: 24]، فلنستمع إلى ما بعد هذا النداء، معلنين تنفيذ استجابتنا له.

 

الوقفة الثانية:

بعد هذا النداء من المولى سبحانه وتعالى يفرض جلَّ وعلا على هذه الأُمة ركنًا من أركان الإسلام، مبينًا أنه فرضه على من قبلهم ﴿ كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾.

وهذا الفرض عليكم جميعًا أيها المؤمنون، وكان هذا الفرض في السنة الثانية للهجرة بعد مضي أَكثر من أربعة عشر عامًا على بعثة محمد ، جاء هذا الفرض في المدينة النبوية التي بسطت فيها التشريعات العملية، وفرضت على الأُمة، بعد أن تغلغل الإيمان في قلوب الصحابة ممن أسلم في هذه الفترة، فكان الصيام تشريعًا عامًا منذ ذلك الوقت إلى أن تقوم الساعة.

 

الوقفة الثالثة:

ختم المولى جلَّ وعلا بيان هذا التشريع العظيم وهذا التكليف بحكمة عظيمة وغاية كبيرة فقال: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾، فمن أهداف هذا الصيام: التقوى، فالصيام طريق لتحقيق هذه الكلمة العظيمة التي طالما رددها كل خطيب وواعظ، وأوصى بها كل حبيب محبيه، وخاصة عند مفارقة هذه الدنيا، ووداع الأَهل والأَحباب، والأَصدقاء والأصحاب، هذه الكلمة الجامعة التي اعتنى بها السلف الصالح، وعظموها في نفوسهم، وظهر أثر ذلك على جوارحهم وفي سلوكهم، عملوا بها أثناء عباداتهم، وحال أداء مسؤولياتهم، استشعروا معناها، وحققوا مقتضاها، في بيوتهم وفي شوارعهم وفي أسواقهم وفي ميادين أعمالهم المختلفة.

هذه الكلمة الجامعة ذات ثمار عظيمة دنيا وأخرى، يسعد صاحبها، ويشفى ناسيها ومتناسيها، فضلًا عن الغافل عنها وتاركها.

هذه الكلمة التي جعلها الله غاية للصيام، حري بنا جميعًا أن ندرك معناها ونعرف حقيقتها، ونطبق مدلولها، ونزن أعمالنا تجاهها، وهذا ما سنلقي عليه بعض الضوء فيما يأتي:

 

الوقفة الرابعة:

التقوى – أخي القارئ – ملكة إذا وجدت عند عبدٍ صبغت حياته صبغة خاصة تدفعه نحو الخير والطاعة، وتردعه عن الشر والمعصية؛ ابتغاء ثواب الله وخشية عقاب الله، ما أن يسمع بميدان الخير إلا ويسابق إليه، وما أن يسمع عن الشر والشبهة إلا ويبتعد عنه.

حول هذا المعنى ترددت عبارات السلف في تصويرها وبيانها وتقريب معناها، يقول ابن عباس: «المتقون: الذين يحذرون من الله وعقوبته» ويقول ابن مسعود: «أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، وأَن يُشكر فلا يُكفر» وقال طلق بن حبيب: «التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخالف عقاب الله»، وأخذ هذا المعنى الشاعر (ابن المعتمر) فقال:

خلِّ الذنوب صغيرها**واصنع كماشٍ فوق أر

لا تحقرن صغيرة**وكبيرها فهو التقى

ض الشوك يحذر ما يرى**إن الجبال من الحصى

 

الوقفة الخامسة:

التقوى بمعناها المذكور آنفًا هي وصية الله تعالى للأولين والآخرين، ووصية رسوله لأَصحابهوأمته، والتي تنوعت النصوص القرآنية والنبوية في بيان عظمها ووجوب تطبيقها والأَمر بها، وما يترتب على تحصيلها تمن آثار عاجلة وآجلة، يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّـهَ ﴾ [النساء: 131]، ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّـهَ ۚ إِنَّ اللَّـهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [الحشر: 18]، ويقول جل شأنه:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].

وروى الترمذي بسند حسن أن رسول الله أوصى معاذ بن جبل فقال: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» ([2]).

أخي المسلم: سمعت الاهتمام بهذه الكلمة العظيمة، والتي تمثل الغاية العظمى للصيام، ويأتينا رمضان ليبعث في النفوس الراغبة أهمية هذا الهدف العظيم من الصيام، وليحقق للصائمين الصادقين هذه الحكمة الجليلة، وليجدد العزم على فعل الخير والطاعة وليحمي النفوس من الضعف والخور والمعصية، وليستأنف العبد فيه التوبة والاستغفار، ولينفض عنه غبار الكسل والهزل.

أسأل الله تعالى أن يجعلنا من عباده المتقين، وأَن يحشرنا في زمرتهم، إنه سميع مجيب وهو المستعان.

____________

 ([2]) رواه أحمد في المسند (3/82).