بحث عن بحث

 

الدرس الخامس/ في مفسدات الصوم

 

الحمد لله واسع الجود والإحسان، والمتفضل على الصائمين بالعفو والغفران، وصلى الله على نبينا محمد خير من صلى الله عليه وسلم وصام، وقام لله حق القيام وعلى آله وأصحابه البررة الكرام، أما بعد:

 

فأسعد الله أوقاتكم وعظم أجركم وأثابكم على صيامكم وقيامكم.

أيها الأخوة المسلمون: تحدثنا في الدرس السابق عن المفطرات التي تخل بصوم الصائم، وذكرناها إجمالاً وهي: الأكل والشرب وما كان في معناهما، والجماع، وإنزال المني بالاختيار عن طريق التقبيل أو اللمس وما شابههما، وإخراج الدم بالحجامة ونحوها، وخروج دم الحيض والنفاس، والتقيء عامداً.

وهناك بعض الأمور التي يقع فيها بعض الناس تجاه هذه المفطرات يحسن التنبيه عليها، وهو كل ما نستعرضه في هذا الدرس، ومنها:

 

أولاً: أن من ارتكب شيئاً من هذه المفطرات ناسياً  - سوى ما يتعلق بالحيض والنفاس، وبعض العلماء يستثني الجماع – فصيامه صحيح إن شاء الله وذلك لقوله سبحانه:  {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا }(1).

وقوله سبحانه: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً }(2).

 

ولما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه)(3) متفق عليه واللفظ لمسلم، ومما ينبغي أن يعلم هنا أنه متى ما ذكر أنه صائم أو ذُكّر فعليه الإمساك فوراً ولفظ ما في فمه إن كان فيه شيء، وينبغي على من رأى صائماً يأكل أو يشرب أن ينبهه لأن هذا من التعاون على البر والتقوى.

 

ثانياً: أن من تناول مفطراً وهو جاهل فصيامه صحيح إن شاء الله تعالى وسواء كان جاهلاً بالحكم الشرعي مثل أن يظن أن هذا الشيء غير مفطر فيفعله، أو  جاهلاً بالوقت مثل أن يظن أن الفجر لم يطلع فيأكل وهو قد طلع، وذلك للدلالة المذكورة في الأمر الأول.

وينبغي أن يلحظ هنا أن على الإنسان أن يسأل ويتحرى عما تقوم به عبادته، فإذا جهل حكماً من الأحكام عليه أن يسأل أهل العلم مباشرة أو عن طريق الكتابة أو الهاتف ونحو ذلك لقوله تعالى:  { فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }(4).

وينبغي كذلك أن لا يتساهل في أمور عبادته فيحصل بذلك التقصير والخلل والله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه.

 

ثالثاً: أن الصائم لا يفطر بذوق الطعام إذا لم يصل إلى حلقه، ولا يفطر كذلك بشم الطيب، ولا يفطر بالمضمضة والإستنشاق لكن لا يبالغ لأنه في حال المبالغة قد يصل الماء إلى جوفه، روى أبو داود والنسائي وابن خزيمة في صحيحه عن لقيط بن صبرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)(5).

 

رابعاً: أن السواك جائز في نهار رمضان فالسواك سنة في نهار رمضان وفي غيره قبل الزوال وبعده وللصائم أن يتسوك كالمفطر سواء بسواء، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)(6) رواه الجماعة.

وهذا عام في الصائمين والصائمات، ومما ينبغي ملاحظته هنا أن استعمال فرشاة الأسنان جائزة ولكن ينبغي للصائم أن يستعمل المعجون في ليل رمضان لأنه إذا استعملها في النهار ربما ذهب إلى حلقه شيء من مادة المعجون وبالتالي يفسد عليه صومه.

 

خامساً: قد يجامع الرجل زوجته قبل الفجر ولا يتمكن من الغسل إلا بعد طلوع الفجر أو قد يحتلم ولا يتمكن من الغسل إلا بعد طلوع الفجر، وفي هاتين الحالتين صيامه صحيح والحمدلله وهذا من يسر الإسلام وسهولته، روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنباً من جماع غير احتلام ثم يصوم في رمضان)(7).

ولكن يستحب لمن وجب عليه الغسل أن يبادر فيه قبل طلوع الفجر.

 

سادساً: قد يطير إلى حلق المسلم غبار أو ذباب أو دخان مما يصعب التحرز منه فهذا معفو عنه والحمدلله وذلك لعدم إمكان التحرز منه، لكن ينبغي أن يراقب العبد صومه وأن لا يتعرض إلى ما يفسده.

 

سابعاً: قد يتعرض الصائم للتعب نتيجة بعض الأعمال في النهار ويشتد عليه الحر فيشتد عطشه أو يكثر العرق في جسمه ونحو ذلك، وحينئذ يجوز للصائم أن يفعل ما يخفف عنه هذه الأمور كأن يتبرد بالماء، أو يتنظف أو يتمضمض لما روى مالك وأبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مرة من المرات بالعرج وهو (اسم مكان) يصب الماء على رأسه وهو صائم من العطش أو الحر(8).

 

ثامناً: يظن بعض الناس أن التعرض في نهار رمضان للأعمال المتعبة، أو الشمس أن ذلك مما يزيد في الأجر والثواب ويتعلل بأن الأجر على قدر المشقة، والبعض الآخر يتجنب ما أنعم الله به علينا في هذا الوقت من وسائل التبريد لأنها تنقص من الأجر، وهذا ونحوه مما لا ينبغي القصد إليه فعلى المسلم أن يتحرى بصيامه ولا يتقصد المشقة لذاتها ولا يتجنب التبريد لذاته، ومع إخلاص النية يعظم الأجر ويزداد الثواب حتى ولو كان جالساً في مكان بارد مثلا، والبعث الآخر من الناس على النقيض من هؤلاء إذا قرب رمضان تقصد الأماكن الباردة داخل البلاد وخارجها هروباً من الحر الشديد، أو قد يكون أشد من ذلك من أجل أن يفطر فيعلل لنفسه بأنه مسافر.

فحال هؤلاء أشد من الصنف الأول فهذا مما لا ينبغي للمسلم الذي يطلب الأجر والثواب، والقرب من الله عز وجل أن يفعل مثل ذلك.

أيها المسلمون الكرام تفقهوا في دين الله لتعبدوا الله على بصيرة فمن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ومن جهل أمراً فليبادر بسؤال أهل العلم.

رزقنا الله وإياكم الفقه في الدين والعبادة على البصيرة، والعمل بإخلاص وثبتنا على ذلك إنه سميع مجيب وهو المستعان.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


 


(1) - البقرة، الآية رقم (286).

(2) - الأحزاب، رقم الآية (5).

(3) - رواه البخاري مع الفتح 4/155 برقم (1933) في الصوم، باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسياً، ومسلم 2/809 برقم (1155) في الصيام، باب أكل الناسي وشربه وجماعه لا يفطر.

(4) - الأنبياء، الآية رقم (7).

(5) - رواه أبو داود 1/82 برقم (142) في الطهارة باب الاستنشاق، والترمذي 3/155 (788) باب ما جاء في كراهية مبالغة الاستنشاق للصائم.

(6) - رواه البخاري مع الفتح 2/374 برقم (887) في الجمعة، باب السواك يوم الجمعة ومسلم 1/220 برقم (252) في الطهارة – باب السواك.

(7) - رواه البخاري 4/153 برقم (1931) في الصوم، باب اغتسال الصائم ومسلم 2/781 برقم (1109) في الصيام، باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو صائم.

(8) - رواه أبو داود 1/721 برقم (2365) في الصوم، باب الصائم يصب عليه الماء من العطش.