بحث عن بحث

الوقفة العاشرة

المصطلحات وإشكالياتها

من أدق الأشياء التعامل مع المفاهيم والمصطلحات، وبخاصة عند تنزيلها على الواقع، ولذا حرص علماء الشريعة على التدقيق في المصطلحات وبيانها والتعامل معها في ضوء هذا البيان، ومن هنا قالوا عند بيان المفهوم والمصطلح: "لا مشاحة في الاصطلاح"، وفي هذا الحدث المشين استخدمت "الدانمرك" مصطلح الحرية لتبرير فعلتها الشنيعة بأن للصحافة عندهم حرية لا تستطيع من خلالها أن تحاكم هذه الصحف.

ومما لا شك فيه أن هذا التبرير تلاعب بالمصطلح ليبرر الفعل، وإلا فهم يدركون أن جميع العالم يدرك فضلاً عن المسلمين أن هذا لا يعدو إلا أن يكون تبريرًا وإلا فالحرية المطلقة مفهوم غير واقعي، لا يتحمّله المنطق والعقل، فلكل مخلوق في هذا الكون مسارات وأبعاد لا يمكن تجاوزها، وإذا أراد أن يتعداها أو يخرج عنها فإنه يُحدث خللاً وفوضى في المحيط الخارجي، كمثل مسارات الكواكب والنجوم، فإنها لا تستطيع أن تخرج عنها أو تتحكم في حركتها وسرعتها، للحفاظ على ناموس الكون ونظامه، وكذلك عالم الحيوان بمختلف أشكالها ونسق حياتها، فإنها جميعًا لديها من الحرية الكافية لتحافظ على بقائها واستمرارها في الحياة، وإذا تجاوزت حركتها هذه الحرية فإنها تضر بالحيوانات الأخرى.

وأما الإنسان الذي خلقه الله تعالى وكرّمه وجعل كل ما حوله مسخرًا له، ثم ميّزه عن سائر الكائنات بنعمة العقل والإرادة، وأمر الملائكة بالسجود له، فإنه من الأولى لهذا الكائن أن يعرف حدوده في الحياة ويعرف حدود الآخرين، فليست له حرية مطلقة ضمن المنظومة الاجتماعية والدينية وحتى الكونية، لأنه يترتب على مثل هذه الحرية الظلم والاستبداد والتناحر والتقاتل بين شعوب الأرض وقومياتهم ومذاهبهم، فالحرية الحقيقية للإنسان هي التي تنتهي حين تبدأ حرية الآخرين.

*     *      *

ومسألة تحديد الحرية وضبطها ضرورة دينية وإنسانية لتجنب المفاسد اللامحدودة بين البشر، فقد حدد الإسلام حرية البشر ورسم لها مسارًا لا يجوز الخروج عليه، وإن أي تجاوز لهذا المسار يعرض صاحبه للعقوبة الدنيوية والأخروية حسب نوع الاعتداء وحجمه، لأن الله تعالى حرّم هذا الاعتداء والتجاوز حتى في الأمور المباحة، فكيف إذا كان كان في ظلم الناس وسلب حقوقهم، يقول تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)، ويقول جل شأنه: (تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).

*     *      *

إنه لا يختلف اثنان فيما عند القوم من ازدواجية في تطبيق مفهوم الحرية، فحينما يتعلق الأمر بعقائد المسلمين وثوابتهم وقيمهم يطلقون هذه المفاهيم ويعتبرونها حرية الفكر أو حرية الصحافة أو غير ذلك، وأما إذا تعلق الأمر بعقائد مللهم أو سياسات دولهم وأحلافهم فيدخلون ذلك في دائرة العنصرية أو إثارة الفتن بين الشعوب، وهذه حال ملل الكفر مع الأمة المسلمة، حيث بررت فعلتها الآثمة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحرية الصحافة، وأما التعرض لليهود أو التعرض لأكذوبة محارقهم في أوربا فهو العنصرية والتعدي على حقوق الآخرين.

ومثل هذه المصطلح، مصطلحات راجت وشاعت بمفاهيم متعددة ومنها مصطلح "الإرهاب".

*     *      *

ومن هنا أرى من الواجب على أمة الإسلام والقادرين منهم على وجه الخصوص في هذه المسألة ما يلي:

1- إيضاح أهمية المصطلحات وبخاصة في باب العقائد والأفكار.

2- وتزداد الخصوصية بهذا المفهوم (الحرية) والذي بدأت تتعامل معه كثير من الدوائر الفكرية والثقافية في عالمنا الإسلامي من جانب واحد كادّعاء حرية الصحافة ولكن الحقيقة عبودية لأفكارهم ورؤاهم ومطالبهم دون النظر إلى من يخالفهم. وهذا ما تعللت به صحف تلك الدول وأنظمتها.

3- إيصال الفكرة إلى القوم بأنها مكشوفة واضحة "وشنشة تعرف من أخزم".

4- الكتابة تفصيلاً في المصطلحات ومفاهيمها ليعرفها الجيل الناشء، ويتعامل مع الحقائق لا مع الألفاظ.

5- أن يحذر مفكرونا ودعاتنا من الانسياق وراء مصطلحات ومفاهيم تترجم ولها معاني لدى القوم، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره مثل مصطلح: الإرهاب، الأصولية، التشدد.. إلخ.