بحث عن بحث

الوقفة التاسعة

الحدث لا يزيد المسلمين إلا قوة وصلابة

يشهد التاريخ وتنطق الأحداث، أنه كلما اشتدت الأزمات على الأمة المسلمة وتكاثرت عليها الخطوب والنوازل، زادت هذه الأمة قوة وصلابة، واشتد تمسكها بعقيدتها وقيمها. هذه حقيقة يجب أن تعيها الأمة لأجل أن تستثمرها.

والمطّلع على سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، سيجد هذه الحقيقة في معظم الأحداث التي كان تحرك أحوالهم في ذلك الوقت، فقد ذاق المؤمنون الأولون ألوان العذاب من المشركين، من تعذيب وقتل وحصار وتهجير وحروب وغيرها، ولكن ذلك لم يثن من عزائمهم وإصرارهم على المضي في تبليغ رسالة الإسلام للعالم، بل إن تلك العذابات كانت تمنحهم شحنات إيمانية وقّادة تقربهم إلى الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، مثلما حدث لهم في غزوة أحد، وأصابهم من الدماء والحزن والانكسار ما أصابهم، وقال بعض المشركين إن أبا سفيان قد ومن معه قد أجمعوا أمرهم لاستئصالكم فاحذروهم، فلم يزدهم ذلك إلا إيمانًا وتصديقًا بوعد الله تعالى بالنصر، يقول تبارك وتعالى عنهم: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ).

فإن المظالم والاعتداءات السافرة على هذه الأمة تزيد من تلاحم أبنائها وتعاضدهم، وهذا السرّ يجهله الكثيرون من الأعداء، حين يظنون أن العقائد والمبادئ تتغير وتتبدل بالقوة الفكرية والعسكرة، وما غزوات هولاكو والحروب الصليبية عن عالمنا الإسلامي ببعيد، حين أحرقت الأخضر واليابس، فقد خرج من ظلمة تلك المعاناة والمآسي فجر الدعوة الإسلامية، التي أطاحت بالطغيان والمحتلين، وألبست الأمة ثوب العزة والتمكين، حتى أخذت ريادة العالم من جديد بعد أن فقدت الكثير من مقوماتها وأسباب قوتها.

لذا فإن الاستهزاء بالرسول عليه الصلاة والسلام، وتمزيق المصحف وتدنيسه، وقتل نساء المسلمين وأطفالهم وهدم البيوت على الآمنين، لن يضير الأمة أبدًا، بل إنها من أسباب وحدتها وتلاحمها، وربما تكون من أسباب انهيار تلك الدول ونهايتها، لأنها قد وصلت قمة الهرم، ولا بد أن تتبعها مرحلة السقوط والذوبان.

*     *      *

وهذه الحقيقة العظيمة تندرج تحت سنن الله تعالى في هذا الكون العظيم، ومن هذه السنن أن الأفكار والإبداع يظهر بالتحدي، وكلما زاد هذا التحدي زاد ظهور الإبداعات، وأقرب شاهد على ذلك أن الأمة المسلمة لم تتّحد في تاريخها المعاصر مثلما اتّحدت على هذه القضية وإن حزن الأعداء والمنافقون لبلوغ التحدي عظم الأمة.

ومن هنا من الخير لقادة الأمة وعلمائها ودعاتها وعي هذه الحقيقة، والاستفادة من هذه الأزمات بمزيد من الوحدة والقوة، وتناسي الخلافات الجانبية، فالتحدي كبير على مختلف المستويات والمجتمعات، والكل يتفق أن جدول أعمال الأمة مشتعل ومتزاحم، ولكن أولى الأولويات وحدتها على عقيدتها، وثوابتها، فآن الأوان لئن تحيي هذه الأزمة ما اندرس، وتوقظ ما خفي من المعاني وبخاصة وأن الأعداء بمختلف مللهم ونحلهم لا يجتمعون إلا على أمة الإسلام، ومن صور هذا التلاحم ما يلي:

1-  عدم التناحر بين مختلف العلماء والدعاة.

2-  الاتحاد والاجتماع على العقيدة الإسلامية، ونبذ ما يخالفها.

3- عمل اللقاءات المشتركة لتدارس ما يهم الأمة ويزيدها تلاحمًا وقوة.

4- العناية بتربية الناشئة، وإعادة تأهيلهم من جديد.

5- تلاحم أهل العلم مع قياداتهم الوطنية والسياسية للعمل المشترك بينهم.

6- إيضاح العلماء للأصول الشرعية التي يتفق عليها الناس في كل بلد.

7- إشاعة مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمفهومه الشامل.

8- عمل برامج مشتركة على مختلف المستويات، سياسية واقتصادية واجتماعية وتربوية وحضارية وغيرها.

9- تبصير الأمة بواجبها الواقعي حتى لا يتخذ عامتها وسائل غير شرعية كما حدث في بعض البلدان في هذه الأمة من تدمير لممتلكات وقتل للأفراد ونحو ذلك.