بحث عن بحث

 

وسطية أهل السنة والجماعة

 

معالي الشيخ صالح بن حميد . 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه، أما بعد:

أهل السنة والجماعة وسط، أي: عدول خيار متوسطون بين طرفي الإفراط والتفريط، فهم وسط بين الفرق المنتسبة للإسلام كما أن أمة الإسلام وسط بين الأمم.

 

وسطية أهل السنة في باب الأسماء والصفات :

فهم في باب أسماء الله سبحانه وتعالى وصفاته وسطٌ بين المعطلة من الجهمية ومَن على شاكلتهم، وبين أهل التمثيل المشبهة ، ويخطئ بعض الذين يكتبون عن منهج السلف في باب الأسماء والصفات، فيظنون أن السلف مفوِّضة، وهذا أمر يجب أن يُجَلَّى كثيراً، فـأهل السنة والجماعة يثبتون لله أسماءه وصفاته التي سمى بها نفسه، وسماه بها رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ووصف بها نفسه، ووصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم، يثبتونها على الحقيقة، لكنهم يفوضون في الكيفية، فيثبتون أن لله يداً، وأن له عيناً، سبحانه وتعالى، حقيقة كما يليق بجلال الله عزَّ وجلَّ وعظمته، ولا يلزم أبداً من إثبات الحقيقة التشبيه البتة، والأمر ظاهر؛ لأن المخالفين لمنهج أهل السنة والجماعة يثبتون لله صفاتاً، حتى المعتزلة يثبتون صفة العلم والحياة، والقدرة، والإرادة -على اختلاف في حقائق هذه الصفات بيننا وبينهم- بل الجميع يثبتون أن لله ذاتاً حقيقةً، فنقول لهؤلاء المثبتين: كما أن لله ذاتاً حقيقةً وتقولون -وهذا حق- إنها لا تشبه الذوات، فكذلك له صفات لا تشبه الصفات، فإثباتها على حقيقتها لا يلزم منه التشبيه، فكما أن هناك من أثبت الكلام وهو حق، وأثبت الإرادة، وقال إن الإرادة لا تشبه الإرادات.

فكذلك -أيضاً- الرحمة؛ لأن الذين أثبتوا الإرادة نفوا الرحمة، فما دام أنك أثبت الإرادة لله فأثبت له الرحمة، وما دام أنك قلت: إن الإرادة لا يلزم منها التشبيه، فكذلك إثبات الرحمة لا يلزم منها التشبيه، وهكذا، فالأمر في هذا جلي ولله الحمد.

 

وسطية أهل السنة في أفعال العباد:

كذلك هم وسط فيما يتعلق بأفعال العباد:

بمعنى: أن أهل السنة قالوا: إن للعبد اختياراً ومشيئة وفعلاً يصدر منه، وهو محاسب عليه؛ لكنه لا يفعل إلا بمشيئة الله عزَّ وجلَّ، وهناك من أنكر مشيئة الله عزَّ وجلَّ، وقال: إن العبد يفعل، وأنكر مشيئة الله، وهناك من ألغى فعل العبد ومشيئته، فتوسط أهل السنة والجماعة على حد قوله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [التكوير:29] وهذا -أيضاً- جليٌ وبخاصة إذا تبينا أن العبد لا يحاسب من أفعاله إلا على ما كان داخلاً تحت قدرته واختياره، والشيء الذي يفعله بغير اختياره لا يُحاسَب عليه، ولهذا فإن النائم، والمغمى عليه، والعاجز، وإذا سقط الإنسان بنفسه سقوطاً على الخطأ فإنه لا يُحاسبه الله عزَّ وجلَّ، وإن كان يحاسَب فيما يتعلق بحقوق الآدميين على تفصيل ليس هذا مكانه، لكن المقصود أن العبد لا يحاسَب إلا على اختياره، فمثلاً: إذا مرض العبد، فإن الله عزَّ وجلَّ لا يحاسبه لماذا مرضتَ؟ أو لماذا أصاب يدك جرح؟ إنما يحاسبه هل صبر أم لا! لماذا؟ لأن الصبر اختيار، فأنت تحاسَب في المرض على الصبر، ولا تحاسب على ذات المرض، لأن المرض ليس بيدك، بل وقع عليك مرض ليس من اختيارك، وإنما الذي هو داخل تحت اختيارك هو الصبر.

لعل ما قدمتُ فيه شيء من الفائدة، وأكتفي بهذا القدر.