بحث عن بحث

وقت يوم عرفة والوقوف فيها (4)

 

المسألة الثانية:

أجمع العلماء على أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف في عرفة إلى غروب الشمس لما روى جابر رضي الله عنه أنه وقف حتى غابت الشمس([1]).

 

ولكن ما حكم من دفع قبل الغروب؟

 

في المسألة خلاف بين أهل العلم:

اختلف العلماء على أربعة أقوال:

القول الأول: قال مالك إن الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس ركن ومن دفع قبل الغروب ولم يعد فقد فاته الحج([2]).

 

 

واستدل الإمام مالك رحمه الله بـ:

1-             فعله صلى الله عليه وسلم حيث وقف إلى غروب الشمس

2-             ولحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أدرك عرفات بليل فقد أدرك الحج ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج فليتحلل بعمرة وعليه الحج من قابل"([3]).

 

  • وهذا القول ضعيف، وقد انفرد به مالك رحمه الله ومستنده على حديث ضعيف، ولو فرضنا صحته فإنه قد خصّ الليل لأن فوات الوقوف يتعلق بفواته.

القول الثاني: الوقوف إلى غروب الشمس من المستحبات المندوبات وهو الصحيح من مذهب الشافعية ورواية للحنابلة،واختيار النووي حيث قال رحمه الله: إذا وقف في النهار ودفع قبل غروب الشمس ولم يعد في نهاره إلى عرفات هل يلزمه دم؟ فيه قولان: والأصح أنه لا يلزمه([4])، وانتصر لهذا القول العلامة المفسّر محمد الشنقيطي رحمه الله ويرى عدم لزوم الدم عليه.

 

 

واستدلوا بـ:

1-             حديث عبد الرحمن بن يعمر: "الحج عرفة فمن جاء قبل صلاة الصبح من ليلة جمع فتم حجه.... إلى آخر الحديث"([5]).

 

2-             وحديث عروة ابن المضرس المتقدم وفيه: "من وقف معنا حتى ندفع وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه"([6]) فهذا قول معارض بفعله صلى الله عليه وسلم فيحمل فعله على الاستحباب.

 

القول الثالث: وجوب الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس وعلى من دفع قبل الغروب دم، وهو قول أكثر أهل العلم، منهم عطاء والثوري والشافعي وأحمد في رواية عنه وأصحاب الرأي، وهو اختيار شيخ الإسلام والشيخ ابن باز وابن عثيمين رحمهم الله جميعا([7]).

 

 

واستدلوا بـ:

1-             فعله صلى الله عليه وسلم حيث دفع بعد غروب الشمس وقد قال: "لتأخذوا عني مناسككم"([8]) وقد وقف للغروب كما في حديث جابر رضي الله عنه عند مسلم سبق ذكره، وحديث علي رضي الله عنه: "وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هذه عرفة وهذا هو الموقف وعرفة كلها موقف ثم أفاض حين غربت الشمس"([9]).

 

2-             وبأن في ذلك مخالفة للمشركين كما في حديث المسور بن مخرمة رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "إن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون من هاهنا عند غروب الشمس حتى تكون الشمس على رؤوس الجبال مثل عمائم الرجال على رؤوسها وهديي مخالف لهديهم"([10]).

 

3-             وبأنه لو كان الدفع من عرفة قبل غروب الشمس جائزا لرخص النبي صلى الله عليه وسلم للضعفة أن يتقدموا من عرفة إلى مزدلفة قبل غروب الشمس خوفًا من الزحام الذي لا نظير له في سائر المشاعر كما رخص لهم أن يدفعوا من مزدلفة بعد غيبوبة القمر إلى منى([11]).

 

القول الرابع: أن من وقف بعرفة نهارًا ثم غادرها لعذر فلا شيء عليه كمن فقد   نفقته أو لمرض وهذا قول للإمام أحمد رحمه الله([12]).

 

واستدلوا بأن الواجبات تسقط بالعجز عنها.

 

 

الترجيح:

الراجح _والله أعلم – ما ذهب إليه أصحاب القول الثالث بوجوب الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس وذلك لفعله صلى الله عليه وسلم وفعل أصحابه من بعده ولأن في ذلك مخالفة لأهل الشرك،والقول الثاني فيه وجاهة وقوة، لكن ينبغي للمسلم أن يحرص على الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، والاحتياط لعبادته.

 

 

يح

وقد اختلف أصحاب القول الثالث في مسائل:

المسألة الأولى: من غادر عرفة قبل غروب الشمس ثم عاد قبل الغروب:

في المسألة قولان:

القول الأول: لا دم عليه وهذا مذهب الحنابلة ورواية للحنفية مالك والشافعي واختيار الشيخ ابن باز رحمهم الله([13]).

 

وحجتهم: أنه أتى بالواجب وهو الجمع بين الوقوف في الليل والنهار فلم يجب عليه الدم، فحكمه كحكم من تجاوز الميقات غير محرم ثم رجع فأحرم منه([14]).

 

القول الثاني: أن عليه الدم، وهي رواية عن الإمام أحمد ورواية للحنفية وقول أبي ثور([15]).

 

 

وحجتهم:

أ‌-                 لأنه بالدفع لزمه الدم فلم يسقط برجوعه كما لو عاد بعد غروب الشمس([16]).

 

لأن استدامة الوقوف قد انقطعت بذهابه فبرجوعه لا يصير وقوفه مستدامًا بل ما فات منه لا يمكن تداركه فلا يسقط عنه الدم([17]).


([1]) تقدم تخريجه.

([2]) ينظر المدونة الكبرى(3/413).

([3]) رواه الدارقطني وضعفه، وضعفه الألباني في الإرواء (4/346).

([4]) ينظر المجموع (8/11/).

([5]) أخرجه أبو داود في الحج، باب من لم يدرك عرفة برقم (1949)، والنسائي في مناسك الحج، باب فيمن لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بمزدلفة برقم (3044)، وصححه الألباني في الإرواء (4/257).

([6]) تقدم تخريجه.

([7]) ينظر المبسوط (4/56)، وشرح فتح القدير (2/478)، والإنصاف (4/30)، والمغني (3/210)، والتمهيد 10/21.، والشرح الممتع (7/333)، وفتاوى ابن باز (7/156).

([8]) تقدم تخريجه.

([9]) أخرجه الترمذي في سننه في الحج، باب ما جاء أن عرفة كلها موقف (885)، وصححه الألباني في الإرواء (4/271).

([10]) رواه البيهقي (5/125).

([11]) مفيد الأنام للشيخ ابن جاسر ص (3171).

([12]) ينظر الفروع (3/509).

([13]) ينظر حاشية ابن عابدين (4/508)، والمغني (3/210)، والعمدة (3/606)، والتمهيد (10/21).

([14]) ينظر المغني (3/211).

([15]) ينظر المبسوط (4/56)، وحاشية ابن عابدين (3/508)، والإنصاف (4/31).

([16]) ينظر المغني (3/210).

([17]) ينظر المبسوط (4/256).