بحث عن بحث

 

ضوابط الحكم على الحديث

 

 الحكم على الحديث فرض كفاية لمن تحققت فيه شروط العدالة والضبط

والعلم بهذا الشأن، سواء كان ذلك من المتقدمين أو المتأخرين، ويستحسن في حق الباحث أن يقول: صحيح الإسناد، أو حسن الإسناد، أو ضعيف الإسناد، ولا يتعجل فيقول صحيح أو حسن أو ضعيف. كما أن الحكم يكون بنقل حكم إمام معتبر، أو بعزو الحديث إلى من التزم الصحة، أو بدراسة الإسناد لمن تأهل.

تضمن النص السابق بعض المسائل

الأولى: لا خلاف بين أهل العلم أن الحكم على الحديث يعني الحكم على الإسناد والمتن إلا إذا قيد هذا الحكم كان يقول: هذا الإسناد صحيح ونحو ذلك.

قال ابن الصلاح: قولهم «هذا حديث صحيح الإسناد أو حسن الإسناد دون قولهم هذا حديث صحيح أو حديث حسن لأنه قد يقال: «هذا حديث صحيح الإسناد» ولا يصح، لكونه شاذًّا أو معللًا، غير أن المصنف المعتمد منهم إذا اقتصر على قوله إنه صحيح الإسناد، ولم يذكر له علة، ولم يقدح فيه، فالظاهر منه الحكم له بأنه صحيح في نفسه، لأن عدم العلة والقادح هو الأصل، والله أعلم(1).

الثانية: لا خلاف بين أهل العلم في أن الأئمة الذين عاشوا مرحلة الإسناد اجتهدوا في الحكم على الحديث وأحكامهم معتبرة، وليس لأحد مخالفتهم إلا لمن كان مثلهم وعند الخلاف يكون الترجيح لمن تأهل وبلغ هذه المنزلة.

الثالثة: اختلف أهل العلم في مسألة الحكم على الحديث بالصحة والضعف من قبل المتأخرين، ولأهل الحديث وعلومه في هذه المسألة مذهبان:

المذهب الأول: المنع، قال ابن الصلاح في مقدمته: «بأنا لا نتجاسر على جزم الحكم بصحته، فقد تعذر في هذه الأعصار الاستقلال بإدراك الصحيح بمجرد اعتبار المسانيد»(2).

المذهب الثاني: الجواز وقال به الجمهور وعامة أهل الحديث وعلومه، وهو القول المختار، لأن هناك أحاديث في السنن والمسانيد ونحوها بحاجة إلى دراسة ونظر لم يحكم المتقدمون عليها، ولم يبينوا مرتبتها، ولأن ترك مثل هذه الأحاديث من غير حكم هو ترك العمل بها، وهذا تضييع للنصوص الشرعية، لاحتمال وجود الصحيح والحسن فيها وهو احتمال قوي(3).

ويستحسن في حق الباحث في الأسانيد أن يقول في نهاية بحثه عن مرتبة الحديث: «صحيح الإسناد» أو «حسن الإسناد» أو «ضعيف الإسناد» ولا يتعجل فيقول «صحيح» أو «حسن» أو «ضعيف» لأنه بالنسبة لقوله «صحيح» أو «حسن» ربما يوجد حديث آخر يعارضه في معناه، وسنده أقوى، فيكون الحديث الذي حكم عليه بالصحة شاذًّا، أو ربما اكتشف علة غامضة لم يستطع الباحث اكتشافها.

وبالنسبة لقوله عن الحديث: «ضعيف» ربما وجد له تابع أو شاهد يقويه ويجبره فيرتقي إلى مرتبة الحسن لغيره.

وقد فعل هذا كثير من الأئمة السابقين، منهم الحاكم في المستدرك، والهيثمي في مجمع الزوائد وغيرهما.

المسألة الرابعة: يتم التوصل للحكم على الأحاديث بأحد طرق ثلاثة هي:

1- وجود الحديث في أحد الصحيحين – صحيح الإمام البخاري، وصحيح الإمام مسلم – لأن الأمة تلقت كتابيهما بالقبول.

2- أن ينص عالم معتبر من السلف على الحكم على الحديث كالإمام أحمد، والشافعي، وابن معين، وابن المديني، وأبي داود، والترمذي وغيرهم، فمن لم يكن لديه الأهلية ووجد نصًّا عن هؤلاء أو نحوهم فعليه الأخذ به.

وقد اجتهد الأئمة في ذلك، وبذلوا الوسع والطاقة، وعند الخلاف بينهم لا يخلوا أن يكون الدارس لديه الأهلية فيرجع بأسباب الترجيح، وإما أن لا يكون لديه الأهلية فيأخذ بقول الأقوى منهم لديه.

3- أن لا يوجد الحديث في الصحيحين ولم ينص عالم من المحدثين من السلف على الحكم ويكون لدى الباحث الأهلية للنظر في الإسناد والمتن، ومن ثم الحكم على الحديث، ومن عناصر هذه الأهلية:

أ – معرفة قواعد علوم الحديث ومصطلحاته كعلوم الاتصال والانقطاع.

ب- معرفة مصطلحات الأئمة في الجرح والتعديل.

ج- معرفة أحكام الأئمة، ومصطلحاتهم في تلك الأحكام، ومنازع الحكم.

د- الاستفادة من تلك الأحكام واعتبارها وعدم إهمالها.

هـ - القدرة على النظر في الإسناد، والمتن من خلال علومهما والموازنة بين الأسانيد والمتون. وهذا من علوم العلة الدقيقة.

المسألة الخامسة: العلم بخطورة التصدي للحكم على الحديث فهو نسبة الكلام إلى رسول الله صلى الله عليه، أو عدم نسبته إليه، والتسرع بهذا الأمر قد يؤدي إلى الوقوع في الوعيد الشديد: وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) وفي رواية لمسلم:(من قال عليَّ ما لم أقل...) وقد كان السلف من الصحابة والتابعين يتحرون غاية التحري فعلى طالب الحديث أن يتقي الله تعالى ويتورع ويكمل أهليته ويحذر من الاستعجال والتسرع الذي قد يؤدي به إلى هذا المزلق الخطير.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) علوم الحديث، ص(35).

(2) ينظر: مقدمة ابن الصلاح (90)، أصول الجرح والتعديل، د. أمين أبو لاوي (97).

(3) ينظر: أصول الجرح والتعديل د/أمين أبو لاوي (97).