بحث عن بحث

            

 فوارق النقد بين منهج المحدثين والمنهج الغربي

          

 

منهج النقد عند المحدثين يقوم على أساس معلومات موثقة ومعطيات معروفة بالمشاهدة والملاحظة بخلاف منهج النقد الغربي الذي يجنح إلى الخرص والتخمين في أغلب الأحايين.

فالنقد الباطني الذي يعادل في معناه الجرح والتعديل عندهم يقوم أساسًا على مبدأ التفسير التاريخي الذي يعتبر كل الاحتمالات والفروض واردة، ومن ثم فأصحاب المنهج الغربي حينما ينقدون رواية مؤلف نقدًا باطنيًا قد لا تكون عندهم أية معلومات عن هذا المؤلف فيبدءون في طرح الأسئلة حوله:

1- هل كان أمينًا فيما اعتقده؟

2- هل أخطأ فيما عرفه؟

3- هل حاول جلب منفعة عملية وخداع قرائه؟

4- هل كذب المؤلف أو أرغم على الكذب؟

5- هل مال إلى مذهبه على حساب تشويه الوقائع؟

6- هل انساق وراء غرور فردي أو جماعي؟

7- هل تملق الجمهور؟

8- هل استعمل الأسلوب الأدبي في تشويه الوقائع؟

وكما نلاحظ: أن هذه الأسلوب تدور حول شخصية المؤلف «الراوي» من حيث أخلاقياته «عدالته»، ولا تذكر مؤلفات المنهج الأوروبي شيئًا عن كيفية الإجابة على الأسئلة، بل إنها رسمت المنهج التخميني خطًا لكل ناقد يريد أن يستخلص نتيجةً من وثيقة حتى لو كانت مجهولة الصاحب، وتأتي سلسلة أخرى من الأسئلة تدور حول ضبط المؤلف «الراوي» من قبيل:

1- هل كان في موضع يسمح له بملاحظة الواقعة أم أنه تخيلها؟

2- هل كان في موضع يستطيع فيه أن يلاحظ الوقائع ولكنه لم يكلف نفسه عناء مشاهدتها؟

3- هل كانت الواقعة المروية من طبعها ألا يمكن أن تعرف بالملاحظة وحدها مثل أسرار الحياة الزوجية مثلًا؟

ومع أن كل هذه الأسئلة تدور حول الشاهد الأصلي أو ما يسمونه «وثيقة من الدرجة الأولى» إلا أنهم لا يبينون أية مراجع تفيد في بيان حالة هذا الشاهد.

وفي حالة لو كانت الوثيقة من الدرجة الثانية أو الثالثة «رواة رووا عن الشاهد الأصلي» فإن الأمر يزداد تعقيدًا في انعدام المعلومات عن أولئك الرواة.

ولقد ظن أصحاب المنهج الغربي أن المسلمين على شاكلتهم في الافتقار إلى المعلومات عن رواة الأخبار والوقائع.

 يقول سينوبوس: «وهذا البحث عن المشاهد الأصلي ليس غير معقول من الناحية المنطقية، فمجامعي الروايات العربية القديمة تعطي أسانيد الرواية لكننا في الواقع العملي نفتقر دائمًا تقريبًا إلى معلومات عن السند تصعد بنا إلى المشاهد الأصلي»(1) .

لذلك اضطر أصحاب هذا المنهج إلى تجشم الإجابة على تلك الأسئلة التخمينية لاستلهام أية قرائن تفيد أمانة الراوي ودقته في ضبط الواقعة.

والواقع أن منهج المحدثين في النقد أكثر وضوحًا وصرامة. فالراوي الذي يروي الواقعة تكون مؤلفات الجرح والتعديل في الغالب قد استوفت ذكر عدالته وضبطه «أي أمانته ودقته كما يقول سينوبوس» بل إنها تتعرض لتفاصيل أكثر دقة مما يتخيل أصحاب المنهج الغربي، مثل كيفية روايته للواقعة، ومستوى ضبطه لمجمع ما يروي، إلى أمور أخرى تند عن الحصر.

فإذا انعدمت المعلومات عنه، فإن صرامة المنهج تعتبره مجهولًا لا يقبل خبره ولا يوثق بروايته، حتى لو كان معروفًا باسمه وشخصيته، لكنه مجهول الحال «أي العدالة والضبط» فإنهم يترددوا في قبول روايته كما أسلفنا.

وطريقتهم في معرفة عدالة الراوي أي أمانته لا تركن إلى الخرص والبحث على عماية في ثنايا جمل الراوي وعباراته، بل تعتمد على تنصيص الأئمة على عدالته بما عرف عنه من الديانة والخلق، يقول الدكتور الأعظمي: «أما طريقة معرفة عدالة الرواة – ما عدا الصحابة – فتتوقف في الأعم الأغلب على تزكية المعاصرين من العلماء الأبرار، ولا يمكن إخضاعها لمنهج النقد»(2)

ومعنى ذلك أنه لا بد أن يكون التعديل مشتهرًا عن الراوي، وعلى أقل تقدير أن يشهد بعدالته عالم معتبر، أما التعديل على الإبهام كأن يقول حدثني الثقة أو كل ما أرويه عن ثقات ولا يذكر أعيانهم فهذا رفضه النقاد المحدثون واعتبروه توثيقًا غير مجد(3)

وقد يلجأ المحدثون إلى طرق فنية أخرى في معرفة عدالة الراوي مثل اختبار أقواله وقياسها على التاريخ، كما قال سفيان الثوري: «لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ».

قال أبو الوليد الطيالسي: «كتبت عن عامر بن أبي عامر الخزاز، فقال يومًا: حدثنا عطاء بن أبي رباح، فقلت له: في سنة كم سمعت من عطاء؟ قال: في سنة أربع وعشرين ومائة، قلت: فإن عطاء توفي سنة بضع عشرة: قال الذهبي: «إن كان تعمد فهو كذاب، وإن كان شبه له بعطاء بن السائب فهو متروك لا يعي»(4)

وقد اعترف أحد المستشرقين – وهو مرغليوث – بعبقرية المحدثين في التأريخ الدقيق للحوادث، يقول: «نلاحظ مناهج معينة ابتكرها المؤرخون العرب لضمان الصحة في تسجيل الأحداث، أحدها: تأريخها بالسنة والشهر بل باليوم ويصرح- بكل – مؤرخ الحضارة أن ذلك العمل لم يحدث في أوروبا قبل 1597م ونجده متطورًا عند الطبري من بين مؤرخي العرب»(5) أي قبل أوروبا بسبعمائة عام تقريبًا.

وقد يفحصون الورق والحبر وموضع الكتابة، قال زكريا بن يحيى الحلواني: «رأيت أبا داود السجستاني قد جعل حديث ابن كاسب وقايات على ظهور كتبه «أي جلد بها كتبه» فسألته عنه فقال: رأينا في مسنده أحاديث أنكرناها فطالبناه بالأصول فدافعنا ثم أخرجها بعد فوجدنا الأحاديث في الأصول مغيرة بخط طري، كان مراسيل فأسندها وزاد فيها»(6)

وفي ترجمة أحد الرواة يقول الذهبي: «زور سماعات الخطيب الموصلي ثم انكشف أمره وسقط نقله»(7)

لكن الأعم الأغلب في عدالة الراوي وديانته وتنزهه عن السفه والكذب وغير ذلك من مسقطات العدالة، أنها تعرف بالتنصيص والاعتماد على أقاويل العلماء لتقويم المستوى الخلقي(8)

وليس معنى التنصيص على ذلك أن يوجد نص من الناقد بأن فلانا عدل، بل المقصود اشتهار هذا الأمر عنه، أما من لم يشتهر هذا عنه فهو المجهول الذي مضى معنا موقف منهج النقد المحدثين منه.


(1) المدخل إلى الدراسات التاريخية، ص(139).

(2) منهج النقد عند المحدثين، محمد الأعظمي، ص(42).

(3) منهج النقد في علوم الحديث، نور الدين عتـر ، ص(92 – 95).

(4) ميزان الاعتدال للذهبي (2/360)، وانظر منهج النقد عند المحدثين للأعظمي، ص(46).

(5) دراسات عن المؤرخين العرب، مرغليوث، ترجمة حسين نصار، ص(29).

(6) ميزان الاعتدال للذهبي (1/451).

(7) المغني للذهبي (2/603).

(8) منهج النقد عند المحدثين، محمد الأعظمي، ص(47).