بحث عن بحث

 

المبحث الخامس (علاقة الناصية بسلوك الإنسان ( 2ـ 4 ))

 

2 – وأما حديث أبي موسى الأشعري، فأخرجه ابن السني(1) بإسناد حسن عن فياض، عن عبدالله بن زبيد، عنه، مثله.

وفياض هو ابن غزوان، الضبي الكوفي، قال أحمد: "ثقة"(2). وشيخه عبدالله بن زبيد هو ابن الحارث اليامي الكوفي، روى عن أبيه، وروى عنه الكوفيون، قاله أبو حاتم(3)، ولم يذكر فيه هو والبخاري(4) جرحاً ولا تعديلاً، فهو في عداد مجهولي الحال، وذكره ابن حبان في ثقاته(5)، ولم أجد من ذكر أنه روى عن أبي موسى الأشعري، فيما وقفت عليه من المصادر، بل إن أباه قال فيه الذهبي: "ما علمت له شيئاً من الصحابة، وقد رآهم، وعداده في صغار التابعين"(6). فكيف بابنه!.

وعليه فالإسناد منقطع أيضاً، لكنه يتقوى بحديث ابن مسعود، ولعل الشيخ الألباني ذهل عن هذا الانقطاع فلم ينبه عليه(7).

 

3 – وأما حديث أبي هريرة الأول فلفظه:

«اللهم رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين وأغننا من الفقر».

رواه أبو صالح السمان عن أبي هريرة، وله عنه طريقان:

الأولى: سهيل قال: كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام أن يضطجع على شقه الأيمن، ثم يقول: «اللهم رب السموات...»، وكان يروي ذلك عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. أخرجه مسلم(8)، وأبو داود(9)، والترمذي(10)، وابن ماجة(11)، وابن أبي شيبة(12)، وأحمد(13)، والبخاري – في الأدب المفرد –(14)والنسائي – في عمل اليوم والليلة –(15)، وابن خزيمة(16)، وابن حبان(17)، والطبراني(18)، وابن السني(19)، وابن مندة(20)، والحاكم(21)، والبيهقي(22)، كلهم من طرق عن سهيل بن أبي صالح، وهو في نسخته عن أبيه(23)، ولفظ الشاهد منه: «.... أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته....».

قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".

وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، وتعقبه الذهبي فقال: "أخرجه مسلم لسهيل". وهو كما قال.

 

الثانية: الأعمش، عنه، عن أبي هريرة قال: أتت فاطمة النبي صلى الله عليه وسلم تسأله خادماً، فقال لها: قولي: «اللهم رب السموات السبع...»، بمثل حديث سهيل، عن أبيه، أخرجه مسلم(24)، والترمذي(25)، وابن ماجة(26)، وابن أبي شيبة(27)، وابن خزيمة(28)، وابن حبان(29)، وابن مندة(30)، والحاكم(31)، والبيهقي(32)، كلهم من طرق عن الأعمش، به.

قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب، وهكذا روى بعض أصحاب الأعمش، عن الأعمش، نحو هذا، وروى بعضهم عن الأعمش، عن أبي صالح مرسل، ولم يذكر فيه عن أبي هريرة". اهـ.

ولعل هذا إشارة إلى قوله في العلل الكبير: "وروى قائد الأعمش، عن الأعمش، عن أبي صالح قال: قال علي لفاطمة. مرسل"(33).

وقائد الأعمش هو عبيد الله بن سعيد الجعفي، أبو مسلم الكوفي (ضعيف)(34)، والصحيح لا يُعَل بالضعيف، كما هو معروف عند المحدثين.

 4 – وأما حديث علي بن أبي طالب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه كان يقول عند مضجعه: «اللهم إني أعوذ بوجهك الكريم، وكلماتك التامة، من شر ما أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت تكشف المغرم والمأثم، اللهم لا يهزم جندك، ولا يخلف وعدك، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، سبحانك وبحمدك».

فأخرجه أبو داود(35)، والنسائي – في الكبرى –(36)والطبراني(37)، وابن السني(38)، والبيهقي(39)، كلهم من طرق عن الأحوص بن الجوَّاب، عن عمار بن رزيق، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث، وأبي ميسرة،عنه.

قال الطبراني في الصغير: "لم يروه عن أبي إسحاق، عن الحارث،وأبي ميسرة، إلا عمار بن رزيق". اهـ.

وصحح النووي(40) إسناده، وحسنه الحافظ ثم قال: "في إسناده علتان تحطه من مرتبة الصحيح: إحداهما: أن الحارث بن عبدالله الأعور – أحد رجال سنده – ضعيف، وباقي رجاله ثقات، خرج لبعضهم مسلم، والثانية: أنه اُختلف في سنده على أبي إسحاق، عن الحارث وأبي ميسرة، كلاهما عن علي رضي الله عنه – ولم أره من طريقه إلا بالعنعنة – وجاء عند الطبراني من طريق المعمري: حدثنا هشام ابن عمار: حدثنا حماد بن عبدالرحمن: حدثنا أبو إسحاق، عن أبيه قال: كتب لي علي  كتاباً فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أخذت مضجعك فقل...»، وذكر مثله"(41). اهـ.

أما تعليل الحافظ له بالحارث الأعور فلا يَضُر؛ لأن الحارث مقرون بأبي ميسرة وهو عمرو بن شرحبيل الهمداني، (ثقة)(42)، فالعمدة عليه لا على الحارث.

وأما الطريق التي أعل بها رواية عمار، فأخرجها الطبراني(43)، عن محمد بن أبي زرعة الدمشقي، والحسن بن علي المعمري، وإسحاق بن أبي حسان الأنماطي، كلهم عن هشام بن عمار، عن حماد بن عبدالرحمن، عن أبي إسحاق، عن أبيه.

وأبو أبي إسحاق لم أقف على ترجمته.

وحماد بن عبدالرحمن هو الكلبي القِنَّسْرِيني، (ضعيف)(44)، ولم أقف على من بَيَّن سماعه من أبي إسحاق، أهو قبل الاختلاط أو بعده، فلا تُعَل به رواية عمار بن رزيق، الذي وثقه ابن المديني، وابن معين، وأبو زرعة، وقال أحمد: "كان من الأثبات"(45)، وقال عنه ابن حجر: "أحد الثقات عن أبي إسحاق"(46)، فكيف يعله بحماد بن عبدالرحمن.

وإضافة إلى هذا فإن عمار بن رزيق، قد تابعه يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، به، لكن عن الحارث فقط، ذكر هذا ابن أبي حاتم، إلا أن أباه وأبا زرعة قالا: "هذا حديث خطأ، رواه بعض الحفاظ عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، مرسل، وهو الصحيح". ثم ساق أبو حاتم رواية عمار، وقال: "وحديث الأول أشبه؛ لأن عمار بن رزيق سمع من أبي إسحاق بآخره"(47).

وعمار بن زريق، وإن كان سمع من أبي إسحاق بعد اختلاطه، إلا أن مسلماً قد أخرج له عن أبي إسحاق(48)، وقد تقدم توثيق الأئمة له، ولم يضعفوه في أبي إسحاق.

فليست العلتان اللتان ذكرهما الحافظ، هي التي تحطه عن مرتبة الصحيح، إنما الذي يحطه علة أخرى، وهي عنعنة أبي إسحاق، وهو مدلس من الثالثة(49)، وقد تقدم قول الحافظ أنه لم يره عنه إلا بالعنعنة.

وهذه مع ما قاله أبو زرعة وأبو حاتم، تحطه عن الحسن لذاته فضلاً عن الصحيح. والله أعلم.

5 – وأما حديث عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر ما يقول حين ينام، وهو واضع يده على خده الأيمن، وهو يرى أنه ميت في ليلته تلك: «اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم...» بمثل حديث أبي هريرة الأول، فله عنها طريقان:

الأولى: ما رواه النسائي – في عمل اليوم والليلة –(50) وعنه ابن السني(51)، عن محمد بن قدامة، عن جرير، عن مُطَرِّف، عن الشعبي، عنها.

ورجاله كلهم ثقات، ومحمد بن قدامة هو المصيصي، وجرير هو ابن عبدالحميد، ومُطَرِّف هو ابن طَرِيف.

الثانية: ما أخرجه ابن عدي(52)، والخطيب(53)، كلاهما من طريقين، عن الحارث بن شبل، عن أم النعمان الكِنْدِيَّة، عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند رقاده: «اللهم رب السموات...»، مثله.

قال ابن عدي – عن هذا الحديث وأحاديث قبله، أخرجها عن الحارث –: "وهذه الأحاديث غير محفوظة".

والحارث بن شبل ذكره الحافظ تمييزاً وقال: (ضعيف) (54)، وقد توبع كما ترى.

وأم النعمان الكِنْدِية لم أقف على ترجمتها.

والحديث صحيح بحديث أبي هريرة المتقدم.

 


(1)     في كتابه (ستة مجالس (ق8/1) كما في السلسلة الصحيحة (1/339).

(2)     عمل اليوم والليلة (ص164ح339).

(3)     الجرح والتعديل (5/62).

(4)     التاريخ الكبير (5/95).

(5)     الثقات (7/23).

(6)     سير أعلام النبلاء (5/296).

(7)    السلسلة الصحيحة (1/340).

(8)     صحيح مسلم – كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار – باب ما يقول عند النوم وأخذ= =المضجع (4/2084ح2713).

(9)     سنن أبي داود – كتاب الأدب – باب ما يقول عند النوم (5/301ح5051).

(10)    سنن الترمذي – كتاب الدعوات – باب ما جاء في الدعاء إذا أوى إلى فراشه (5/440ح3400).

(11)    سنن ابن ماجه – الدعاء – باب ما يدعو به إذا أوى إلى فراشه (2/1274ح3873).

(12)    مصنف ابن أبي شيبة (10/251ح9362).

(13)    المسند (2/381، 404، 536).

(14)    الأدب المفرد (2/619ح 1212).

(15)    عمل اليوم والليلة (ص463ح 790).

(16)    التوحيد (1/266، 267ح 168، 169).

(17)    الإحسان (7/426، 427ح 5512).

(18)    الدعاء (2/912ح 261).

(19)    عمل اليوم والليلة (ص333ح 715).

(20)    التوحيد (2/83ح224).

(21)    المستدرك (1/546).

(22)    الأسماء والصفات، ص (9، 10، 226، 227).

(23)    نسخة سهيل بن أبي صالح ح (31)، ضمن كتاب دراسات في الحديث النبوي (2/496، 497).

(24)    صحيح مسلم (4/2084ح 2713/63).

(25)    سنن الترمذي (5/484ح3481).

(26)    سنن ابن ماجه – باب دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم (2/1259ح 3831).

(27)    مصنف ابن أبي شيبة (10/262، 263ح 9392).

(28)   التوحيد (1/265ح167).

(29)    الإحسان (2/157ح962).

(30)    التوحيد (2/82ح 223).

(31)    المستدرك (3/156، 157).

(32)    الأسماء والصفات، ص (34، 35).

(33)    العلل الكبرى (2/915، 916).

(34)   تقريب التهذيب (ص371).

(35)    سنن أبي داود – كتاب الأدب – باب ما يقول عند النوم (5/301، 302ح5052).

(36)    السنن الكبرى (تحفة الأشراف 7/352ح 10038)، وفي عمل اليوم والليلة (ص454ح767).

(37)    المعجم الصغير (2/357ح977)، والدعاء (2/900ح237).

(38)   عمل اليوم والليلة (ص332، 333ح 713) من طريق النسائي.

(39)    الأسماء والصفات ص (186).

(40)    الأذكار (الفتوحات الربانية على الأذكار النووية 3/112).

(41)    الفتوحات الربانية (3/112).

(42)    تقريب التهذيب ص (422).

(43)    الدعاء (2/900، 901ح238).

(44)    تقريب التهذيب ص (178).

(45)    تهذيب التهذيب (7/350).

(46)    فتح الباري (1/257).

(47)    العلل لابن أبي حاتم (2/165، 166ح 1989) وقد تكرر في الصفحة (186).

(48)    صحيح مسلم – كتاب الطلاق – باب المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها (2/1118).

(49)    طبقات المدلسين ص (42).

(50)    عمل اليوم والليلة (ص463ح 789).

(51)    عمل اليوم والليلة (ص346، 347ح 774).

(52)    الكامل (2/194).

(53)   موضح أوهام الجمع والتفريق (2/450).

(54)    تقريب التهذيب ص (146).