بحث عن بحث

 

مراعاته صلى الله عليه وسلم لمشاعر زوجاته ومعرفته لنفسياتهن

 

-  روى البخاري عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( إني لأعرف غضبك ورضاك )) قالت: قلت: وكيف تعرف ذلك يا رسول الله ؟ قال: ((إنك إذا كنت راضية، قلت: بلى ورب محمد، وإذا كنت ساخطة، قلت: لا ورب إبراهيم )) قالت: قلت: أجل ! لست أهجر إلا اسمك )) .

   وفي هذا الحديث دقة عناية الرسول صلى الله عليه وسلم  بمشاعر عائشة وانطباعاتها، حتى صار يعلم رضاها وغضبها من مجرد كلامها وحَلِفها .

قال ابن حجر: [ اُغتفر لعائشة – رضي الله عنها - غضبها على رسول الله صلى الله عليه وسلم  - لأن ذلك كان بدافع الغيرة ، والغيرة دليل المحبة ] .

وقال: [ وفي اختيار عائشة ذكر إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- دون غيره من الأنبياء دلالة على مزيد فطنتها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم  أولى الناس به، كما نص عليه القرآن فهي لم تخرج عن دائرة التعلق به صلى الله عليه وسلم  في الجملة ]. 

    وفي الحديث دلالة على فهم النبي صلى الله عليه وسلم  نفسية زوجته عائشة، ومعرفة حال غضبها، وحال رضاها. مع أعباء الرسالة العظيمة التي يحملها، فلم يشغله ذلك عن زوجاته، وعن ملاطفتهن ومحاورتهن.

-  روى البخاري عن أنس قال : (( كان النبي صلى الله عليه وسلم  عند بعض نسائه ، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بِصَحْفَة فيها طعام ، فضربت التي النبي - صلى الله عليه وسلم- في بيتها يد الخادم فسقطت الصحفة فانفلقت، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم  فِلَق الصحفة ، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة ويقول :" غارت أمكم "، ثم حبس الخادم حتى أتى بصحفة من عند التي هو في بيتها ، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كُسرت صحفتها وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت فيه )) .

   ففي الحديث بيان حسن خلقه صلى الله عليه وسلم، وإنصافه، وحلمه، وحسن تصرفه، ومراعاته لمشاعر زوجته، حيث علل هذا الخطأ من عائشة رضي الله عنها بقوله : (( غارت أمكم )) اعتذاراً منه لعائشة .

    ( وفيه الإشارة إلى عدم مؤاخذة الغيراء بما يصدر منها، لأنها في تلك الحالة يكون عقلها محجوباً بشدة الغضب الذي أثارته الغيرة ) (1) .

    قال ابن حجر : ( وقد أخرج أبو يعلى بسند لا بأس به عن عائشة مرفوعاً : " أن الغيراء لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه ) .

    وفيه حسن التصرف مع الحكمة ، والحلم وعدم العجلة ، ومراعاة ما هو مركوز في الطبيعة والجبلة البشرية . 

    وعن ابن مسعود رفعه (( أن الله كتب الغيرة على النساء، والجهاد على الرجال، فمن صبر منهن كان لها أجر شهيد ))(2) .

 

يتبع في العدد القادم

 



(1) - الفتح ( 9/ 325 ) .

(2) - أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ح 10060-10/87 ، والبزار –انظر البحر الزخارح1330-4/383 واللفظ له . وضعفه الألباني في الجامع الصغير ح3549-1/355 .