بحث عن بحث

 

 

حديث (أُهجُري المعَاصِي ... )

 

 

عن أم أنس أنَّها قالت: يا رسولَ اللهِ  أوصني .قال:(أُهجُري المعَاصِي فإنَّها أَفْضَلُ الهجرةِ ، وَحَافِظِي على الفرائِضِ فَإنَّها أَفْضَلُ الجِهَادِ، وَأَكْثِري مِنْ ذِكْرِ اللهِ فَإِنَّكِ لا تَأْتي اللهَ بشيءٍ أحبَّ إليهِ مَنْ كَثْرةِ ذِكْرهِ ). (1)

السائلة:

هي أم سليم بنت ملحان الأنصارية (رضي الله عنها).

غريب الحديث:

اهْجُري: الهاء والجيم والراء أصلان، يدلُّ أحدهما على قَطِيْعَةٍ وهو ضدّ الوصل ، وهِجْرةُ الوطنِ تركه  (2)

الجِهَاد: الجيم والهاء والدال أصلُه المشقة، ثم يحمل عليه ما يقاربه، والجُهْد؛ الطّاقة  (3)

والجهاد؛ استفراغ ما في الوُسْع، والطَّاقة من قول أو فعل وبذله في الحرب وغيرها (4)

 

من فوائد الحديث:

1/ في الحديث الأمر بالفرار من الذنوب والمعاصي، والانعتاق من السيئات والخطايا، وهجرة أهلها ومواطنها، والحذر من مخالطة ما يكره الله تبارك وتعالى.

روى عبد الله بن عمرو بن العاص أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الهجرة أفضل؟

فقال: (أَنْ تَهْجُرَ مَا كَرِهَ رَبُّكَ ) (5)

وقال في حديث عبد الله الخَثْعَمي: (مَنْ هَجَر مَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ )(6)

وفي حديث أبي ذرّ الغفاري: (مَنْ هَجَر السَّيئَاتِ )(7)

وهذا النوع من الهجر أعظم فضلاً وثوابًا من الهجرة إلى بلاد الإسلام لأن المقصود الأصلي من ترك الوطن البعد من الفتن  (8)

2/ فضيلة مجاهدة النفس على التزام الطاعات، والمحافظة على الفرائض والمسارعة إلى الخيرات، والصبر عن الملذَّات قال تعالى:( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) (9)

فعلّق المولى سبحانه الهداية والفلاح بالجهاد، فأكمل الناس هداية أعظمهم جهادًا، وأفرض الجهاد، جهاد النفس، والهوى والشيطان، فمن جاهدهم رزقه المولى سبحانه رضاه الموصل إلى جنته، ومن ترك الجهاد فاته من الهدى والخير بحسب ما عطّل وفرّط  (10)

3/ جهاد النفس مقدَّم على جهاد العدو في الخارج وأصلٌ له، فهي أعظم الأعداء وأقربهم، والعبد ما لم يجاهد نفسه أولاً - لتفعل ما أمرت به وتترك ما نهيت عنه وتتوب عما اقترفته ويحاربها في الله - لم يمكنه الله جهادَ عدوِّه في الخارج والنصر عليه .

إذ كيف يحارب الكفار والمفسدين ويغلبهم، وعدوه الذي بين جنبيه قاهرٌ له متسلط عليه لم يجاهده في الله ولم يعاده فيه؟  .

بل لا يمكّنُهُ الخروج إلى عدوه ومنازلته حتى يحاسب ويجاهد نفسه على الصّبر على العبادة والرضى بالقدر، والتزود بالصالحات ومجانبة المحذورات والكفِّ عن الشهوات، والخروج عن المحرمات.

وهذا العدوان الداخلي والخارجي قد امتُحن العبد بجهادهما ومدافعتهما، وجهاد الهوى إن لم يكن أعظم مشقة من جهاد الكفّار فليس بدونه فلا يحمد فيه إلا من غَلَب بخلاف الآخر.

(فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) (11)

وشتان بين من هزمته ذنوبُه وسيئاتُه، فصار أسير الهوى والشيطان، ميِّت القلب ضعيف الإيمان وبينَ من أسر هواه، وقاوم شيطانه وأرخص نفسه في سبيل الله، واشتراها من الكريم الرحمن؛ فإن غُلِب ومات كان شهيدًا من الأحياء الذين عند ربهم يرزقون  (12)

4/ ورد في السنة النبوية ما يدل على اقتران فضل الجهاد في سبيل الله ببعض الفرائض بجامع المشقة وبذل الوسع والطاقة والصبر، والأثر العظيم والثواب الجزيل الذي يعقبها،(13)  عائشة - رضي الله عنها - رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يَا رَسُولَ اللهِ نَرى الجِهَادَ أَفْضَلَ العَمَلِ، أَفَلاَ نُجَاهِدُ؟ قَالَ:(لاَ لَكِنَّ أَفْضَلُ الجِهَادِ حجٌ مَبْرُورٌ )(14)

5/ لا يجب الخروج إلى الجهاد على المرأة « بمعنى القتال »، والثواب الذي يقوم مقام ثواب جهاد الرجال حجُّ المرأة المبرور، لأن النساء مأمورات بالستر والسكون والحشمة والجهاد ينافي ذلك إذ فيه مخالطة الأقران، والمبارزة ورفع الأصوات.

وكان بعض النساء يحضرن مواقف الجهاد لسقي الماء ومداواة الجرحى ومناولة السهام دون القتال (15)

6/ فيه الأمر بكثرة ذكر الله سبحانه وملازمته والمداومة عليه، لشدة حاجة العبد إليه، وعدم استغنائه عنه طرفة عين، فأي لحظة خلا فيها العبد عن ذكر الله سبحانه كانت عليه لا له، وكان خسرانه فيه عظيمًا  (16)

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ) (17)

وقال سبحانه: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) (18)

7/ الغفلة عن ذكر الله سبب قوي لتسلّط الشيطان على العبد، وبذر وساوسه التي هي أصل الذنوب والمعاصي و الهموم كلها، وجهاد الشيطان بسياط الذكر والاستغفار والطاعات وهجران المعاصي، يقمعه ويؤذيه ويؤلمه فلا يزال شيطان المؤمن هزيلاً ضئيلاً معذبًا مغلوبًا  بخلاف شيطان الفاجر، الغافل عن ذكر الله تعالى، فإنه يكون معه في دَعَة وراحة ،ولهذا يكون قويًا عاتيًا شديدًا  (19)


(1) رواه الطبراني في الكبير (25/129ح 313) و الأوسط  (7/51ح 6822) و (7/21ح 6735) و ابن أبي الدنيا في الورع (ص58ح 48) و هذا الإسناد ضعيفٌ، فيه إسحاق بن إبراهيم بن نسطاس ضعيفٌ، ومربع مجهول، ولا متابع لهما. وأما معناه فيأتي في الفوائد ما يقوّيه .

(2) معجم مقاييس اللغة (ص1024)، لسان العرب (5/250)، مختار الصحاح (ص288)، مشارق الأنوار (2/332)، النهاية (5/243).

(3) معجم مقاييس اللغة (ص210).

(4) لسان العرب (3/133)، مختار الصحاح (ص48)، النهاية في غريب الحديث (1/319).

(5) رواه أحمد في مسنده (2/193) ورجاله ثقات.

وروى البخاري في صحيحه (3ح 10) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « المسلمُ من سلم المسلمون من لسانهِ ويدهِ والمهاجر من هجر ما نهى الله عُنه » .

(6) رواه أحمد (3/411) ، و أبو داود (1331 ح 1449)، والمقدسي في المختارة (9/235ح 213).

ورواه النسائي (2251ح 2527).

(7) رواه ابن حبان في صحيحه (2/76ح 361).

(8) ينظر: مجموع الفتاوى (15/312)، فيض القدير (4/335)، (6/270)، حاشية السندي (7/144)، تفسير القرطبي (5/308).

(9) سورة العنكبوت من الآية: 69.

(10) الفوائد (ص59) وينظر: فيض القدير (2/31).

(11) سورة النساء من الآية : 74.

(12) ينظر: مجمع الفتاوى (10/635، 636)، زاد المعاد (3/6)، روضة المحبين (ص478)، العوائد (ص59)، فيض القدير (2/31).

(13) ينظر: فتح الباري (3/487).

(14) رواه البخاري (120ح 1520) .

(15) سبل السلام (4/42)، وينظر: نيل الأوطار (5/5)، تحفة الأحوذي (5/164).

(16) الوابل الصيب (ص59).

(17) سورة الأحزاب، الآية: 41.

(18) سورة الأحزاب، من الآية: 35.

(19) ينظر: بدائع الفوائد (2/479).