بحث عن بحث

 

من وحي الحج

 

في كل موسم من مواسم الحج تتجدد المعاني والدروس العظيمة لتجدد نشاط النفوس، وتحيي ما اندرس من تلك المعاني السامية، وتزيل ما ران من الغبش على المفاهيم السليمة، وما اندثر منها، فتعود النفوس إلى منهجيتها لتواصل مسيرة البناء والعطاء.

وهنا أذكر شيئًا من وحي هذا الحج في نقاط متفرقة لعلّها تنضم في باب الذكرى فتنفع المؤمنين.

- تعبد واستسلام:

سأل سائل عن العلّة لهذه الأعمال في الحج من الطواف والسعي والوقوف والرمي والمبيت، وهل يمكن أن تتكرر في العام؟ أو أن تكون في أماكن أخرى؟ ونحو ذلك.

وقبل الجواب المباشر قال المجيب: لو تأمل الحاج في أعمال الحج كلّها لوجدها كذلك، أعمال بدنية تتضمن أذكارًا ودعوات يرددها الحاج في جميع هذه المشاعر، وهو يؤدي تلك المناسك.

ثم قال له: إن القاعدة في العبادات كلّها من الصلاة والصيام، والحج هو كما يعبر الفقهاء، أنها (توقيفية) بمعنى أنها تؤدى عبادة لله سبحانه على حد قوله سبحانه: ( سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ) فلا تدرك علّتها، لكن يتلمس لها بعض الحكم والآثار العظيمة، ومنها:

- إحياء ذكر الله سبحانه الذي هو مقصود هام في العبادات، قال تعالى: ( وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي )، وفي الحج يقول عليه الصلاة والسلام: «إنما جعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله» وهكذا نجد ذكر الله بعد أداء المناسك وبخاصة بعد الوقوف بعرفة وهو أعظم المناسك، قال تعالى: ( ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ...).

وعليه فلعل أهم معلم لنا في حياتنا كلها ونستوحيه من الحج ونحن نقوم بتلك العبادات هو إقامة ذكر الله.

ذكر الله المطلق، وذكر الله المقيد بزمان، أو حال، أو مكان، ثم نترجم هذا الذكر إلى حياتنا العملية كلها.

فإقامة هذا المعلم هو أن تعيش النفس مع الله تعالى في جميع الأحوال والظروف، والأزمنة والأمكنة، لا في الحج فحسب، ثم يُنسى أو يتناسى.

- لا جدال في الحج:

مفهوم من أهم المفاهيم في الحج، جاء النص عليه في كتاب الله تعالى ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ ).

ورتب عليه الشرع مغفرة الذنوب جاء في الحديث الصحيح: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه»... وأحسب أنه مفهوم يعرفه كثيرون نظريًا لكن تطبيقه العملي يحتاج إلى حزم وعزم، وفهم سليم، وإدراك قويم.

تعال – أخي القارئ- معي وهذا المشهد.

أحد الحجاج الشباب، مفتول العضلات – هكذا يقول من يروي المشهد – اقعد أباه وهو شيخ سن كبير في (عربية) وأتى به إلى رمي الجمرات ظهر يوم 12/12 هذا العام حتى أوصله الحوض ليرمي، والأب يرتعد من كِبر سنّه، وفي الوقت نفسه مع تزاحم الحجاج آذت العربية عددًا منهم.

في ظن هذا الحاج الشاب أنه بر بأبيه ليوصله إلى هذا المكان بهذه الطريقة.

خاطبه صاحبنا ذاكرًا له أن هذه العربية مؤذية للآخرين وتسببت في إيذائهم، فرد الشاب ببدهية سريعة: ( لاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ ) (هيا أبعد). ا.هـ. المشهد وفي التأمل بهذا المشهد نجد:

* استخدام هذا المصطلح في غير مفهومه الصحيح، وهذا أدّى إلى التباس المفاهيم وخلطها فأوقع في خلط العمل.

* إعطاء الرد بصورة غير أخلاقية حيث جاء الرد وهو في حالة من الشدّ النفسي.

* كم تسبب هذا الفعل الذي ظن صاحبه برًّا بأبيه في إيذاء الآخرين ولم يدرك: «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح» ولم يستحضر قوله تعالى: ( والَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً )؟! بل كم آذى أباه ونفسه بهذا التصرف؟

* غاب عن ذهن هذا الشاب سعة الشريعة ومرونتها التي أجازت التوكيل في الرمي لمثل هذا العاجز ولا ينقص من أجره شيء.

* لم يستحضر مع هذا الفعل أهمية الأخلاق وحسن التعامل في مثل هذه المواقف التي تستدعيها وبخاصة من مثله الذي حمّل نفسه وأباه حملاً لم يكلف به فاستدل بالآية في غير محلها.

* أليس هذا يوجب علينا فقه الحج في وضعه السليم وبخاصة إذا أردنا الجمع بين مجموعة أعمال من الطاعات والقربات؟ إن موقف هذا الشاب يذكرنا بضرورة فقه الأولويات حتى في عمل الأعمال الصالحة ففيها واجب وأوجب، وفيها واجب ومستحب، وفيها ما واجبه مضيق وما واجبه موسع، وهذا من أعظم فقه الموفقين ليجمعوا أعظم الحسنات بأقل الأعمال.

وهذا من فقه الحج في الحج وفي غيره.

- تشدد وتساهل:

جلس حاجّان يتحدثان فيما بينهما، قال أحدهما: إن بعض العلماء يشدد في الحج كثيرًا، فيوجب أشياء، ويمنع من أشياء، ومثل لذلك بوجوب الحجاب على المرأة وليس هذا واجبًا، ويوجبون طواف الوداع وهو غير واجب ولا يجيزون التوكيل في الرمي... وغيرها من المسائل.

ليس المراد هنا ترجيح قول على آخر، وإنما التأمل في الحوار ذاته، ولعل هذا مما يوحي به الحج كل عام، لتظهر قضية التشدد والتساهل، ومن التأمل:

تتنوع أحكام الحجاج حول التشدد في مسألة (ما) أو التساهل فيها غالبًا ما يكون مما يمرّ على الحاج من الشدّة والتساهل، وهذا بلا شك ليس مقياسًا شرعيًا لقضية من القضايا- وهذا المقياس يلغي المقياس الصحيح وهو أن الحج عبادة من العبادات، وركن من أركان الإسلام لا توجب فيه عبادة، أو تحظر إلا بناءً على الدليل الشرعي من الكتاب والسنة، ومنها عمل الرسول صلى الله عليه وسلم القائل: «خذوا عني مناسككم».

فالأصل في الحج هو في هذا الاستدلال، والعمل بما جاء عنه صلى الله عليه وسلم وهذا يلقي مسؤولية كبيرة على العلماء وطلبة العلم لتوضيح هذا الأصل العظيم.

- ومن التأمل: خطورة إعطاء الإنسان نفسه للحكم على قضايا التعبد في الحج أو غيره بأن هذا تساهل، وهذا تشدد دون علم، وإنما بناء على رؤية خاصة أو نظرة قاصرة. وهذا من شأنه – للأسف – أن يخفف تعظيم شعائر الله في النفوس وهذا خطر في حدِّ ذاته.

ومن هنا يتوجب على المسلم أن يجيء الشعائر التعبدية في نفسه، ويعظم شعائر الله، وقد قال سبحانه في الحج: ( ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ...).

- من الخطأ والخلط تقسيم الشريعة إلى أحكام متشددة وأحكام متساهلة. فالحكم بالتساهل أو الشدة نسبي لا ينبغي هنا أن يظهر لأن من قواعد الشريعة العامة: (الضرورات تبيح المحظورات) و(لا ضرر ولا ضرار) و(المشقة تجلب التيسير) فإذا بلغت الشدة مبلغها تتسع أحكام الشريعة لأفعال المكلفين.

والقاعدة هنا: (إذا ضاق الأمر اتسع) بمعنى إذا وجد الضيق في الفعل اتسع الحكم. والحمد لله على التيسير.

وهذا يتوجب الفهم حول هذه القضية (التشدد والتساهل) حتى لا نعيش في مفاهيم خاطئة أو يستطرد في حوارات لا جدوى منها سوى تشويش الأذهان، والتلبيس على العلم، فالدين محكم، وأهل الحكم في المسائل هم العلماء العارفون فلنعي هذا الأصل العظيم.

- هذه المسألة ليس عليها دليل.

جرى نقاش في منى بين مجموعة من طلبة العلم حول مسألة: (الموالاة في الطواف) و(الموالاة بين الطواف والسعي).

وكان نقاشًا علميًا مفيدًا أفاد منه الحاضرون وهذا من الجدل العلميّ المحمود والمفيد، وهو معلم من معالم طلبة العلم المستغلين لأوقاتهم.

وداعي الذكر هنا أن أحدهم قال عن مسألة: (الموالاة): هذه المسألة لا دليل عليها.

وقد أوقف هذا القول أحدهم معلقًا عليه:

هذه المقولة يقولها بعض طلبة العلم في كثير من المسائل وهي منقولة تحمل في طياتها عدة أمور:

- أن القائل لمثل هذه المقولة يحمل تجهيلاً لمن يخالفه الرأي فالقول بالموالاة مثلاً قال به جملة من أهل العلم، والسؤال البدهي هل هؤلاء العلماء قالوا بهذه المسألة دون دليل؟!

- أن هذه المقولة تولد جرأة على المخالفة في الأحكام العملية لمجرد قناعات القائل دون أن ينظر في علمه، وفي استيعابه للأدلة، وللأقوال ومستنداتها، وهذه الجرأة لها مخاطرها على القائل نفسه وعلى من يتلقى عنه من طلبته فهي مخالفة منهجية لمنهج التلقي، ورحم الله الشيخ محمد بن عثيمين عندما قيل له – وهذا القول في آخر حجة له – لك رأي في عدم إيجاب الدم لمن ترك واجبًا من واجبات الحج قال: نعم، فقيل له ولم لا تقول بذلك، قال: سبحان الله وهل أقول بقول يخالف ما عليه الأمة من عهد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم، حسبي أن أقول: يقول الفقهاء: كذا وكذا.

- وهذه الجرأة تولد التسرع في الأحكام، وهذا التسرع لا خلاف في أنه منهج مذموم، ونهج الشرع يخالف منهج التورع عن الفتوى، والقول على الله تعالى، وهذا لا يحتاج إلى تعليق.

- لعل من الأحسن لمن يقول بهذه المقالة أن يبدلها بأن يذكر الدليل الذي استدل به الآخرون ثم يبين عدم قناعته بهذا الاستدلال، لا أن يجهلهم بنفي الدليل مطلقًا.

ومن هنا: أوجه الدعوة لكل طالب العلم – ذكرًا كان أو أنثى – بتذكر المنهج السليم للتعامل مع الفتوى، والرفق بالنفس في هذه القضية، وحزمها ومسك خطامها، وعدم الخلط بين النقاش العلمي وبين الفتوى، وهذه مسألة تحتاج إلى بسط. لعله يتيسر لها مقام آخر. وإنما المراد هنا وحي الحج.

- التويتر والفتوى:

ترك أحدهم طواف الوداع فلما سئل عن ذلك قال: إن الشيخ فلان ذكر في صفحته في (التويتر) أن طواف الوداع يسقط مع العجز، وتداول عدد من حجاج حملة من الحملات هذه الفتوى، عن طريق رسالة الجوال في الحملة، وكان بعضهم قد بدأ بالطواف، وبعضهم في الشوط الرابع فخرجوا من الطواف بحجة هذه الفتوى.

لست هنا محققًا لهذه الفتوى بالتأييد أو المعارضة لكن التأمل في استخدام هذه التقنية في الفتاوى الدقيقة، ومن التأمل:

- لا يشك أحد في ضرورة استخدام هذه التقنية في التوجيه والإرشاد وتصحيح المفاهيم لكن محل التأمل هو استخدامها في الأحكام الدقيقة التي قد تحدث لبسًا وخلطًا.

- ويقال هنا عن التسرع في إطلاق الأحكام ما قيل في الفقرة السابقة لأن هذا الإطلاق بهذا الحكم الاستثنائي الذي يقال في زحمة الحج يوقع في إرباكات عديدة.

- لا يشك القائل بهذا القول أن هذا الحكم هو استثنائي وإلا فالأصل طواف الوداع للحاج.

- ولا شك أيضًا أن هذا القول يوقع جدلاً ما كان ليحدث لولا هذا الإطلاق، وأقصد بالجدل ليس النقاش العلمي وإنما الدخول في التأييد والمعارضة والتشديد والتساهل.

- أجزم أن القائل بهذا القول لم يناقش غيره فكما تتدخل دقة الأحكام تتدخل هنا السياسة الشرعية وهذا يحتاج إلى فقه جماعي لا ينكره مثل هذا القائل بل قد يدعو إليه.

وعليه: فهذه التقنية لها حدودها ومجالها الذي يجب أن نحسن التعامل معه.

وهل للأحكام الدقيقة محل فيها؟ محل تأمل؟ أرجو أن يكون كذلك.

تلك من وحي الحج وخطرات أرى أنها محل تأمل، نفع الله بها وسدد الخطى.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.