بحث عن بحث

ومن هذه الأعمال الصالحة النابعة من الإخلاص ما يلي:

5- الأعمال المباحة:

ويدخل في دائرة العمل الصالح والإخلاص فيه، جميع الأعمال المباحة والاعتيادية النابعة من الفطرة والحاجة الإنسانية، إذا قصد الإنسان من ورائها رضى الله

تعالى، والأخذ بالحلال الذي أمر به الله تعالى، ومثال بعض هذه المباحات:

1- النكاح: رغم أنه سنة كونية وفطرة إنسانية، إلا أنه يتحول إلى طاعة وعبادة إذا تم عقده بين الزوجين وفق شرع الله تعالى، قال عليه الصلاة والسلام:

«وفي بضع أحدكم صدقة» قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر فكذلك إذا

وضعها في الحلال كان له أجرا» (1).

وهو رحمة ونعمة من الله تعالى لعباده في الحياة، يقول جل شأنه: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ

فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}(2).

2- الأكل والشرب: حتى الأكل والشرب وتناول جميع الطيبات التي أودعها الله تعالى في الأرض لعباده، إذا اكتسبت بالحلال، فإنها تتحول إلى عبادة

وعمل صالح للإنسان، إذا ابتغى وجه الله تعالى، من أجل أن يتقوى على الكسب أو وأداء الفرائض والعبادات المختلفة، بل إن الإنسان ليكسب الأجر

على اللقمة البسيطة حينما يناولها في فم زوجته، يقول عليه الصلاة والسلام لأحد الصحابة: «وإنك لن تنفق نفقة إلا أجرت، حتى اللقمة ترفعها إلى فيّ امرأتك»(3).

3- النوم: ومن الأعمال الاعتيادية المباحة التي يشملها العمل الصالح، النوم الذي يعدّ راحة جسدية للإنسان من نصب العمل في النهار، ليقوم بعده

وينطلق من جديد ويباشر أعماله وعباداته، يقول الله تعالى: {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا} (4).

عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال لي رسول الله ﷺ: «يا عبد الله ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟ فقلت: بلى يا رسول الله.

قال: فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقًا، وإن لعينك عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقًا، وإن لزورك عليك حقا»(5).

والنوم هو إعطاء الجسد حقه من الراحة، فيكون ذلك أجرًا لصاحبه.

4- السعي في طلب الرزق: وهو من العمل الصالح المنصوص عليه في التشريع الإسلامي صراحة، يقول تبارك وتعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا

فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}(6).

والذي يسعى وراء رزقه في الحياة بالطرق المشروعة فإنما هو في جهاد وعبادة ما دام خروجه من بيته وجهده المتواصل من أجل أن يأتي بهذا الرزق الطيب إلى

أسرته فيطعمهم منه، وهو من الأعمال العظيمة التي أشاد بها الرسول ﷺ بقوله: «أفضل الدينار دينار ينفقه الرجل على عياله ودينار ينفقه الرجل على دابته

في سبيل الله ودينار ينفقه الرجل على أصحابه في سبيل الله» (7).

 ويقول عليه الصلاة والسلام: «لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله لرزقتم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا» (8).

5- الإنس والأحاديث في المجالس: ومعلوم أن الإنس والكلام مع الآخرين من الأمور المباحة للإنسان، لأنه بحاجة إلى من يؤنسه في الحياة، ومعلوم أن

الإنسان اجتماعي بفطرته، ولكن يجب ألا يتجاوز هذا الأنس والحديث فيه الحدود المباحة ليتحول إلى لغو وغيبة ونميمة، من أجل هذا جاء النهي من النبي

ﷺ بقوله: «ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» (9) وإذا دخل في الأنس المزح فيجب أن يكون مشروعًا، فلا يكون كذبًا وافتراء،

وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يمزح ولا يقول إلا صدقًا.

بل على المؤمن الواعي أن يستغل مجالس الأنس لأداء رسالته، ويحوّر أحاديثها لصالح دعوته ودينه، ويسعى لتحويلها إلى مجالس العلم والمعرفة ومواجهة

الواقع، بدل اللهو واللعب والسخرية، لأن كثيرًا من رواد هذه المجالس يهربون من هموم الواقع وضغوط الحياة المختلفة، فيكون المدخل عليهم من الأبواب

التي يعانون منها.
----------------------

(1) أخرجه مسلم (ص406-407، رقم 1006) كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف.

(2) الروم[ 21].

(3) أخرجه البخاري (ص1162-1163، رقم 6733) كتاب الفرائض، باب ميراث البنات. ومسلم (ص714، رقم 1628) كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث.

(4) النبأ [9].

(5) أخرجه البخاري (ص317، رقم 1975) كتاب الصوم، باب حق الجسم في الصوم. ومسلم (ص472، رقم 1159) كتاب الصوم، باب النهي عن صوم الدهر.

(6) سورة الملك، الآية 15.

(7) أخرجه مسلم (ص403، رقم 994) كتاب الزكاة، باب فضل النفقة على العيال. والترمذي (ص456، رقم 1966) كتاب البر والصلة، باب ما جاء في النفقة على الأهل. قال: حديث حسن صحيح.

(8) أخرجه الترمذي (ص536، رقم 2344) كتاب الزهد، باب في التوكل على الله. وابن ماجه (ص607، رقم 4162) كتاب الزهد، باب التوكل واليقين. قال الترمذي: حسن صحيح.

(9) أخرجه البخاري (ص1052، رقم 6018) كتاب الأدب، باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره. ومسلم (ص41، رقم 47) كتاب الإيمان، باب الحث على إكرام الجار والضيف.