بحث عن بحث

الوقفة الأولى :

شرح مفردات الباب:

(النشرة) لغةً: بضم النون من نشر الشيء إذا فرقه .

واصطلاحاً: حل السحر عن المسحور .

سميت بذلك لأن الذي يحل السحر عن المسحور يكشفه ويزيله ويفرقه .

وهي نوعان :

الأول: حل السحر بسحر مثله وهي النشرة المعروفة في الجاهلية .

الثاني: حل السحر بالقرآن والأدعية والأسباب المشروعة.

(به طب): يعني به سحر ويقال: طب من باب التفاؤل .

(يؤخذ عن امرأته) : أي لا يستطيع أن يمارس مع امرأته الممارسة الشرعية.

الوقفة الثانية :

حكم النُشرة :

أ/النشرة بمعنى حل السحر بسحر مثله لا تجوز، وقد أخبر النبي  صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد وأبو داود أنها من عمل الشيطان ، وقال الإمام أحمد لما سُئل عنها قال، ابن مسعود كان يكره هذا كله، والكراهية هنا بمعنى التحريم، فذهاب المسحور للساحر لا يجوز لأمور:

أولاً: أن المسحور لما ذهب إلى الساحر ليفكه فهو اعتقد أنه هو الذي يحل هذا السحر وقد يستطيع حله لأنه بحسب نوع الشياطين الذين معه، فإن كانت الشياطين التي مع هذا الساحر أقوى من الشياطين التي سحر بها فهذا قد يقدر، وأما إذا كانت الشياطين أضعف فلا يستطيع ولا يقدر . وقد يكون هناك تنسيق بينهما . وكل هذا من التلاعب بالإنسان ، وفي الأغلب يرجع إليه السحر مرة أخرى ليتلاعب به وهكذا، والله جل وعلا لم يجعل الإنسان لعبة للشياطين وذهابه إليهم يجعله كذلك.

ثانياً: أن الله سبحانه وتعالى حرم السحر وجعله كفراً ، فإن قلنا إنه يجوز أن يحل السحر بسحر مثله كأننا نروج لبضاعة هؤلاء الشياطين بهؤلاء السحرة .

ثالثاً: ما دامت المسألة متعلقة بالشياطين فما يمنع هذا الشيطان الذي فك السحر أن يجعله يوماً أو يومين أو ثلاثة ثم يعيده، فهو فكه بناءً على التقرب لـه من الساحر من ذبح أو نذر أو خدمة معينة، فقد يعيده بعد فترة لكي يتقرب إليه الساحر لتستمر العملية بهذا الدوران، ومن ثم ينتشر هؤلاء السحرة وتنتشر أعمالهم ويتعلق بهم الناس .

رابعاً : أنه يقذف في قلبه قدرة هذا الساحر على أمور لم يقدر عليها كل الناس، وهذا ابتلاء شديد بأن يضعف توحيد الإنسان وتعلقه بالله سبحانه وتعالى .

خامساً: أن الذين ذهبوا إلى أولئك من الواقع العملي أن يرجع إليهم السحر بعد مدة، وهذا الغالب؛ لأن هذا الذي ضعف وأتى إليهم معنى ذلك أن لديه الاستعداد إلى أن يعود مرة أخرى إذا شفي من مرض فيسحر بسحر آخر ليأتي إليه من غير السحر الذي سحر به أولاً، فيستمر يطرق الباب على هؤلاء السحرة لأن لديه الاستعداد الكامل لتقبل ما يقول هؤلاء .

ب/ حكم النشرة بمعنى حل السحر بالرقية الشرعية وبالتعويذات وبالدعاء وبالأدوية المباحة وهي النوع الثاني فهذه جائزة ولا إشكال فيها، والنبي  صلى الله عليه وسلمرقاه جبريل عليه السلام لما سحر ورقى غيره، ونزل القرآن ]قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ[ و]قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ[ بأن يرقي النبي صلى الله عليه وسلمنفسه، وكذلك في الأدوية المباحة التي ظهرت في التجارب، كما جاء عن بعض التابعين رحمهم أنهم يرون الاغتسال بالماء والسدر فمن مزاياه أن الشياطين تنفر منه، وكذا لو عرف مثل ذلك، كما يثبت في الطب من خلال التجارب أن هذا الدواء بإذن الله يعالج هذا الداء.

ويجب أن نعلم أن القرآن كله شفاء كما قال تعالى: ]وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَاراً[   وقوله سبحانه : ]قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ[  .

فالقرآن يفك السحر إن طال الزمن أ وقصر لكن لنعلم أمرين:

الأمر الأول : قوة الراقي بالقرآن فيعتقد الراقي أن الشفاء بالقرآن، ولا يقل: أُجرِّب، فالقضايا والحقائق القرآنية غير قابلة للتجربة .

الأمر الثاني: المريض المسحور أو غير المسحور يجب أن يعتقد أن القرآن شفاء ، لا يقل: ذهبت إلى البلد الفلاني ولم أستفد، وذهبت إلى المستشفى الفلاني ولم أستفد ، فإذاً (أجرب القرآن) فالقرآن ليس ميداناً للتجربة، فيجب أن يتلقاها المريض بكل يقين لأن فيه الشفاء ، فالشفاء قد يكون في يوم أو شهر أو سنة أو قد يطول فعليه بالمواصلة والدعاء.

فإن استجيب لـه شفي، وهو في أي الأحوال إما أن يعجل لـه وإما أن يؤخر فيراه مستقبلاً ، وإما أن ينفك عنه من الشر ما كان مقدراً عليه، وإما أن يراه من الآخرة، وهذا لا إشكال فيه، إذا صدق الإنسان في دعائه وعمل بالأسباب المفضية إلى قبول الدعاء وتجنب الموانع فدعاؤه متحقق بلا شك كما أخبرنا الله سبحانه وتعالى : ]وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْلَكُمْ[.

وكمـا تكون الرقية الشرعية بالقرآن تكون أيضاً بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأدعية مثل : (الـلهم رب الناس ، مذهب البأس، اشف لا شفاء إلا شفاؤك ، شفاء لا يغادر سقماً)  .

و(بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم)   ثلاث مرات في الصباح والمساء، وغير ذلك في الأدعية التي وردت في السنة، وهي موجودة ومنتشرة - ولله الحمد - في كتب الأذكار مثل كتاب الأذكار للنووي والكلم الطيب لابن القيم الجوزية - رحمهم الله جميعاً -، وكذلك تكون في عامة الأدعية ما لم تكن حراماً بمعنى لا يكون فيها توسل للشياطين ولا بالقبور والأضرحة، فتكون خالصة لله عز وجل .

الوقفة الثالثة :

يعتقد بعض الناس أن الأمراض وخاصة السحر والعين لا يمكن أن تحل إلا بالرقية الشرعية ، وهذا لا إشكال فيه، ولكن أيضاً قد يُوجد في زمن ما لم يكن في زمن آخر، فلا يعني أننا إذا استعملنا الرقية الشرعية لمرض من الأمراض لا نذهب للطبيب الذي يداوي بالدواء الحسي، كما ثبت عند التابعين الدواء بالسدر والاغتسال به ، فمع الزمن توجد بعض الأشياء بالتجارب العلمية والعملية، ومن ذلك ما يسمى بالطب النفسي فلا مانع من الذهاب للطبيب النفسي لعلاج بعض الظواهر المرضية عند من يوثق به، كما أنه يذهب إلى الطبيب الموثوق به في علاج الباطنية وغيرها، وقد يشفى هذا الإنسان بسبب هذا الطبيب وقد لا يشفى كغيره من الأمراض .

ومن المعلوم أن الرقية الشرعية تعالج أصل الداء، فهي تعالج أصل السحر والعين، أما الطبيب النفسي فلا يعالج إلا الظاهر . فالأمران متكاملان وليسا متعارضين ولا يمنع أن يستفاد من ذلك كله، ولكن بالضوابط الشرعية العامة ، فلا يُذهب إلى كل مدعي الطب ولا لمن ثبت فشله بل لمن استقام دينه وعرف بعلميته الطبية وأمانته وورعه.

كما يجب الحذر ممن يجعلون الرقية شعاراً لهم وهم يستعملون الشعوذة والدجل ، فعلى المريض أو ولي المريض أن يتنبه لهذا الراقي، ولذلك يجب أن يكون هذا الراقي قارئاً للقرآن غير لاحن فيه، وأن يكون صادقاً أميناً معروفاً بالاستقامة ، وإن كان طالب علم فهو أولى، فكما أن الطب أصبح مجالاً للتكسب فكذلك أيضاً الرقية أصبحت مجالاً لهذا الأمر .

ومع هذا كله فليعلم العبد أن هذه كلها أسباب لا تغني عن ضرورة التوكل على الله عز وجل، فهو الذي بيده مقاليد كل شيء، سبحانه وتعالى من حكيم خبير .