بحث عن بحث

الوقفة الأولى:

شرح مفردات الباب:

(تعس) : بفتح العين أو كسرها بمعنى خاب وخسر .

(الخميصة): كساء لـه أعلام .

(الخميلة) : الفراش الوثير.

(انتكس) : أي انتكست عليه الأمور بحيث لا تتيسر لـه .

(شيك) : أصابته شوكة.

(فلا انتقش) : لم يستطع إخراج الشوكة بالمنقاش إن أصابته .

(طوبى):طابت حياته وحسنت، وقيل:هي شجرة في الجنة، وقيل:هي مكان في الجنة.

(العنان) : هو الحبل الذي يقاد به الفرس .

(أشعث) : لم يسرح شعره ولم يمشطه .

(الحراسة) : هي حماية الجيش من هجوم الأعداء .

(الساقة) : مؤخرة الجيش .

الوقفة الثانية:

في الباب السابق ذكر المؤلف ما يتعلق بالرياء، وهو أن يعمل عملاً من الأعمال الصالحة ليراه الناس ويمدحوه عليه، ولا يريد به النفع المادي، وهذا الباب في المراء الذي يعمل عملاً مما يُبتغى به وجه الله والدار الآخر لا يعمله إلا لنفع دنيوي مادي؛ كالمال والجاه وعامة ما في الدنيا من زينة ، وبهذا يتبين أن هذا الباب أعم من الباب السابق ، فإذا أراد الإنسان بعمله الدنيا فهذا شرك ؛ لأنه أشرك مع الله في غايته وهدفه من عمله، ولم يرد ما أعده الله سبحانه وتعالى لمن عمل صالحاً.

الوقفة الثالثة:

في الآية التي ذكرها المصنف إشارة إلى أن غايات الأعمال لا تخلو من إحدى غايتين، إما أن يبتغي العامل بعمله ما عند الله سبحانه من رضاه ونعيم الجنة ، وإما أن يبتغي هذه الدنيا وما فيها من زينة وبهرج ، ومهما عمل الإنسان من عمل فلا يخرج عن هاتين الغايتين.

فقال سبحانه : ]مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا[  أي من أراد بعمله شيئاً من الدنيا من النساء والبنين والأموال وغيرها ، فهنا يقول سبحانه : ]نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ[ أي فسنعطيهم ما يريدون دون أن يظلموا أو ينقصوا مما طلبوه من هذه الدنيا، ولكن النتيجة النهائية هي الخسران في الآخرة، فقال جل شأنه فيهم: ]أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[  .

وهذه الآية صريحة في الدلالة على أن الغاية من العمل يجب أن تكون لله سبحانه وتعالى، ومن عمل عملاً ليقال لـه : خاشع أو قارئ مجيد أو حسن الصوت أو جواد وكريم أو حاج... وغيرها من العبارات فإن عمله باطل لا ينفع في الآخرة، بل هو نقمة عليه، يعذب في النار بسببه .

الوقفة الرابعة :

أورد المصنف هذا الحديث العظيم الذين يبين في الجملة خسارة من كانت الدنيا غايته وهدفه، فقال صلى الله عليه وسلم: (تعس) أي خاب وخسر عبدالدينار وعبدالدرهم وعبدالخميصة وعبدالخميلة ، وسمي عبداً لهذه الأمور لأنه جعلها غايته، فيسعى ويكد ويكدح ويجتهد من أجلها ، فهي أغلى عنده من متاع الآخرة.

ولكن ما علاقة المال واللباس والأثاث بالعبودية ؟

الجواب : أنه إن أُعطي منها رضي، وإن لم يعطَ سخط، فالعلاقة هي في الرضا والغضب والسخط، فهذه علامة عبوديته لهذه الأشياء.

ثم قال صلى الله عليه وسلم مؤكداً للمعنى السابق (تعس وانتكس) أي خاب وخسر وانتكست إليه الأمور بحيث لا تتيسر لـه فصار فقيراً من الجانبين، في الآخرة لأنه كان عبداً للدنيا، وفقيراً في الدنيا لأن الأمور قد لا تتيسر لـه على أن يعيش حياة رغدة ومترفة ، فقد يخسر في تجارته أو تأتيه آفة من الآفات، وهي إن سلمت لـه ولم يعطِ حقها من الشكر والزكاة فإنه سيحاسب عليها في الآخرة، ومن أين اكتسبها؟ فهذه الأشياء انتكست عليه.

وقوله صلى الله عليه وسلم : (وإذا شيك فلا انتقش) أي إذا أصابته شوكة لا يستطيع أن يزيلها من نفسه، وهذه الجملة إما من باب الإخبار عن حاله ، وإما من باب الدعاء عليه لأنه لا يهتم إلا بالدنيا، وكلا الأمرين وبال عليه.

ثم ختم النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث بمقارنة بين صاحب الدنيا وبين إنسان ظاهر حاله ألا قيمة لـه ، ولكنه عند الله سبحانه في الدرجات العُلى فهو مجاهد في سبيل الله أشعث رأسه ومغبرة قدماه من الأرض، إن وضع في حراسة الجيش فهو فيها، وإن وضع في ساقة الجيش أي أمامه كان كذلك ، وإذا شفع لأحد أو استأذن لم يؤبه به فليس لـه شرف ومكانة عند الناس ، فهذا الشخص عمل عملاً يبتغي به وجه الله فأثابه عليه بطوبى، وهو مكان في الجنة . ومن هذا يستفاد إكرام واحترام المسلم الصالح وإن كان ضعيف الشأن عند الناس.

الوقفة الخامسة :

الذي يريد بعمله الدنيا لا يخلو من حالين:

أ - أن يكون شركاً صريحاً، وهو الذي يجعل الدنيا غايته ويجعلها تسيره ، فيترك الصلاة مثلاً من أجل الاتّجار بالمال.

ب - أن يكون وسيلة إلى الشرك: وهو أن تكون الدنيا مؤثرة عليه وعلى حياته، فيؤخر الصلاة من أجل أمر دنيوي، ولا يزكي خشية نقص ماله ، ولا ينفق على والديه وأولاده وزوجه من أجل الدنيا ، فهذا ليس شركاً، ولكن صاحبه على خطر إذ أن فعله هذا من وسائل الشرك ، وهذه الحالة توجد عند بعض المسلمين، والواجب على المسلم أن يتفكر في قول النبي صلى الله عليه وسلم : (ومن كانت الدنيا همه فرّق الله أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتب لـه ، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله لـه أمره ، وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة)  .

وبناءً على ذلك يجب على المسلم أن يصوغ حياته كلها للوصول إلى الهدف الأسمى وهو العمل للآخرة وما فيها من النعيم المقيم فيتيسر لـه أمر الدنيا والآخرة.