بحث عن بحث

الوقفة الأولى:

شرح مفردات الباب:

(يبتليهم) : أي يختبرهم .

(أبرص): البرص هو بياض يظهر على جلد الإنسان، إذ تزول الطبقة الأولى، وتأتي الطبقة التي تليها .

(أقرع) : من ليس لـه شعر في رأسه .

(ناقة عشراء) : أي حامل في شهرها العاشر، فهي قريبة الولادة .

(كابراً عن كابر): أي ورثته أباً عن أب، وقيل شريفاً عن شريف.

(لا أجهدك): أي لا أشق عليك برد شيء تأخذه من مالي.

الوقفة الثانية:

صدر المصنف - رحمه الله - هذا الباب بالآية الكريمة وهي قول الحق عز وجل : ]وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي[ وفي ذلك إشارة إلى أمر هام وهو أن شكر نعمة الله عز وجل والاعتراف بها وعدم كفرانها ونكرانها يؤدي إلى زيادتها ، ولذلك جاء في الآية الأخرى قولـه سبحانه : ]وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ[ .

وهذه النعم الواجبة الشكر تتنوع في جسد الإنسان من سمع وبصر ويد ورجل وقوة وصحة ونشاط في البدن، وتكون في الفكر والعقل، وتكون أيضاً في المال والجاه والأبناء، ونعمة تسخير بعض الناس لبعضهم ، ونعمة العمل والإنتاج . هذه كلها من رحمة الله سبحانه وتعالى بالإنسان .

وهنا نجد التابعي الجليل مجاهد بن جبر رحمه الله فسر هذه الآية بأن ينكر هذا العبد نعمة الله عليه ويقول: إن ما حصل لي من نعمة فهو بكسبي وبعلمي وبطريقة تحصيله، وهذه النعم هي حق لي، وكلام ابن عباس رضي الله عنه في تفسير الآية قريب منه يكمل بعضهما الآخر، ولذلك من قال بهذا القول فقد كفر، ولهذا قال سبحانه تكملة لهذه الآية : ]لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ[   .

      الوقفة الثالثة:

قصة الثلاثة من بني إسرائيل التي جاءت في حديث أبي هريرة رضي الله عنه تفيد أن كفران النعمة سبب لذهابها، فهذا الأقرع والأبرص لما نسبوا نعمة المال لآبائهم ، وجحدوا نعمة الله عليهم رجع إليهم المرض ومحق المال والعياذ بالله، أما الأعمى الذي شكر نعمة الله عليه فهذا بارك الله لـه في ماله واستمر في صحته وعافيته، ومن أهم الفوائد المستنبطة من هذا الحديث أيضاً :

-       أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يخالفه .

-       أن الملائكة يتشكلون حتى على صورة بني آدم.

-       جواز أن يدعو الإنسان لنفسه بالشفاء من المرض الذي أصابه، ولا يكون هذا من الاعتراض على قدر الله.

-       فضيلة الزهد في الدنيا، وأنها تجر لصاحبها النعيم والخير في الدارين ، فالأعمى لما زهد بارك الله لـه في الدنيا ورضي عنه في الآخرة  .

الوقفة الرابعة:

ما حكم كفران النعمة؟

الجواب : قد يكون كفران نعمة الله على العبد قادحاً في أصل التوحيد ومخرجاً من الملة ، وقد يكون قادحاً في كمال التوحيد ولا يخرج من الملة، فإن كان كفران النعمة بإنكار ما أسداه الله سبحانه وتعالى لهذا الشخص أو بأن يشرك مع الله غيره فيقول : هذه النعمة ليست من الله وحده بل هي أيضاً من الولي الفلاني أو من القبر الفلاني أو هي من الشخص الفلاني والله سبحانه لا إرادة لـه في ذلك فكل ذلك لا شك أنه كفر مخرج من الملة ويقدح في أصل التوحيد  .

أما إن كان يقول : إن هذه النعمة من فلان، ولكن لا يقصد أن فلاناً صاحب هذه النعمة الأساسي، وإنما يقصد أنه هو الذي عمل وكد وجد وتكلم ثم أتت هذه النعمة دون أن يسندها إلى الله سبحانه وتعالى فهذا نوع من كفران النعمة ولكن لا يخرج عن الإسلام، وهذا خطره كبير لأنه وسيلة من الوسائل المفضية إلى الشرك الأكبر بالله عز وجل بعد مضي فترة من الزمن فينسى الإنسان ربه ، ولذلك كان قول القائل في النعمة : إنما حصلت عليها بذكائي وعبقريتي، أو أعرف من أين أدخل ومن أين أخرج ، من كفران النعمة وإن كان لا يخرج من الإسلام إن اعتقد أن المنعم هو الله، ولكن قد يصل
 به الغرور إلى جحود نعمة الله تبارك وتعالى وبذلك يخرج من الإسلام، كما قال قارون :
ﭑ  ﭒ      ﭓ  ﭔ  ﭕ     ﭖ[القصص: ٧8] وقد وصل بذلك إلى درجة كبيرة من الغرور والتكبر على الله عز وجل .

الوقفة الخامسة:

شكر الله تعالى على النعمة لابد أن يكون قائماً على أركان ثلاثة :

الركن الأول: أن يكون الشكر بالقلب، وذلك بأن يعترف بقلبه يقيناً أن هذه النعمة من الله سبحانه، فلم يستحقها بذكائه ولا بعبقريته ولا بحيلته ولا بشيء من هذا كما قال سبحانه : وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ .

الركن الثاني: أن يكون الشكر باللسان، وذلك بأن يحمد الله عز وجل بلسانه ، ولهذا قال سبحانه : وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ .

الركن الثالث: إشغال هذه النعمة بطاعة الله سبحانه، بأن تشترك الجوارح في شكر النعمة فلا تستعمل في محرم ، بل تسخر لطاعة المنعم عز وجل، فمن كفر النعمة أن ترى بعينك حراماً أو تتكلم بلسانك في محرم أو تمشي برجلك إلى محرم، أو أن تستخدم مالك في محرم ونحو ذلك.

الوقفة السادسة :

كثيراً ما نشاهد اليوم مظاهر لكفران النعمة وعدم الاكتراث بها، ومن ذلك الإسراف في ولائم الأعراس والمناسبات، فتجد عدداً كبيراً من الذبائح تذبح ولا تؤكل ومن ثم ترمى في أماكن النفايات . ومن مظاهر الإسراف أيضاً الإسراف في الألبسة ولا سيما ملابس النساء في الحفلات فتدفع فيها الأموال الباهظة ، وتكون باباً من أبواب التباهي والتفاخر والتمايز بين الناس .

ومن ذلك أيضاً الإسراف في المنازل والمراكب في أمور لا داعي لها، وبأموال كثيرة ، ولو صرفت هذه الأموال في وجوه البر لكن أولى.

وهنا ينبغي أن يكون وجهاء الناس هم القدوة في ذلك، ولو قلصت التكاليف وعمل بالمبلغ المفترض إنفاقه في هذه الوليمة لمشروع بر للعائلة كلها لكان خيراً بلا شك .

وهنا ينبغي أن يُفَعّل دور الجمعيات الخيرية التي تستقبل فائض الطعام واللباس لتوزعه على الفقراء، وأن يوّعى الناس بذلك حتى تشكر النعم فتدوم، نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.

الوقفة السابعة :

بعض أخطاء الناس في هذا الباب:

يقول بعض عامة الناس - هداهم الله - في معرض حديثهم عن النعمة أو النقمة والبلاء الذي يحل بشخص من الأشخاص : إن فلاناً يستاهل كذا ، أو لا يستاهل ... وعند التأمل بهذا القول نجد كأنهم احتجوا على الله تبارك وتعالى بأن أعطى فلاناً ولم يعطِ الآخر، ومن يقول هذا الكلام لا يستشعر بأن هذه الكلمة فيها خطورة عظيمة، فالمفسرون قالوا عن قول قارون : ]إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي[ أي: على علم من الله أني لـه أهل، نسأل الله للجميع السلامة والعافية.

وبعض الناس يريد ألا يخبر الآخرين بما عنده من النعم التي أنعم الله بها عليه فيتجه إلى إنكارها وهذا خطأ كبير .

والبعض الآخر راتبه الشهري جيد وإن كان آخرون أفضل منه ، فإذا سئل عن هذا أظهر علامات التأفف والضجر والتعب النفسي بأن فلاناً أفضل منه، وأن الجهة الفلانية تعطى أكثر راتباً، إلى غير ذلك مما يشعر أن الشخص لم يقتنع بما أعطاه الله سبحانه، وهذا يكون لديه نسبة قد تقل أو تكثر من جحود نعمة الله سبحانه ، والنبي صلى الله عليه وسلم يرشد لعلاج مثل ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام : (انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله)   وذلك في الأمور الدنيوية، فلكي تعمق شكرك لله فتأمل هذا الحديث جيداً ، فإذا كان مرتبك خمسة آلاف ريال فلا تنظر إلى من راتبه عشرة وإنما تنظر لمن راتبه ألفا ريال، وهكذا انظر إلى من هو أدنى منك سكناً وصحة ونعمة. فيعينك ذلك على شكر الله تعالى.