بحث عن بحث

الوقفة الأولى:

شرح مفردات الباب:

(الإنكار): هو الجُحود بحيث يجحد أن تقدير الله سبحانه وتعالى لجميع الأمور .

(القدر): هو تقدير الله للكائنات وهو سر الله في خلقه لا يعلمه إلا الله.

(أُحُد): هو جبل أحد الواقع شمال المدينة النبوية .

الوقفة الثانية:

سبب ورود الباب في كتاب التوحيد ؛ لأن الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان الستة كما دل عليه حديث جبريل المشهور لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان قال صلى الله عليه وسلم : (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأن تؤمن بالقدر خيره وشره). وقد ذكر المصنف تحت عنوان هذا الباب ما استدل به على أن منكري القدر ينسلخون من الإيمان .

الوقفة الثالثة:

مراتب القدر:

1 - العلم : بأن يؤمن الإنسان أن الله عز وجل علم كل شيء جملة وتفصيلاً، فالله يعلم ما كان وما سيكون ويعلم كل دقيق وجليل.

الدليل قولـه تعالى: ]وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ[ .

2 - الكتابة: فالله - عز وجل - كتب المقادير كما في الآية السابقة: ]وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ[ .

وقال تعالى : ]أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ[  .

3 - المشيئة : وهي عامة، وما من شيء في السماوات ولا في الأرض إلا هو كائن بإرادة الله ومشيئته كما قال تعالى: ]إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[ وقال: ]وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ[  وقال: ]وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا   اقْتَتَلُوا[.

4 - الخلق : فما من شيء إلا والله خلقه وأوجده قال تعالى: ]اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ[   و"شيء" نكرة تفيد العموم، فما من صغيرة ولا كبيرة إلا والله خالقها سبحانه، وجمعت هذه المراتب في بيت :

علمٌ كتابةُ مولانا مشيئةُ      وخَلْقُه وهو إيجادٌ وتكوينُ

الوقفة الرابعة:

في أثر ابن عمر دليل على أن من أنكر القدر فهو كافر حابط عمله، فإن ابن عمر رضي الله عنهما يقسم بمن يملك نفسه وهو الله - عز وجل - بأن من أنكر القدر لا يكون مؤمناً حتى لو أنفق مثل جبل أُحُد ذهباً، ثم استدل بحديث جبريل الطويل بقول النبي صلى الله عليه وسلم : (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) .

ويشهد لما قاله ابن عمر رضي الله عنهما الأثر الوارد عن ابن الديلمي لما سأل أبي ابن كعب رضي الله عنه أن القدر ركن من أركان الإيمان ولو مات على إنكار القدر لكان من أهل النار.

وقال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت كلهم كما قال أبي ابن كعب.فهذه الأحاديث فيها الوعيد الشديد لمن ينكر القدر.

الوقفة الخامسة:

المتأمل في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه يعلم علماً يقيناً أن المقادير قدرها الله - عز وجل - قبل خلق السماوات والأرض، وذلك لأن الله أول ما خلق القلم، فسبق خلقه خلق السماوات والأرض ، فإذا علم المسلم ذلك وأن سيقع لـه من تقدير الله وسلم بذلك ورضي سيجد الراحة في نفسه والطمأنينة والسكينة في حياته، وسيجد طعم الإيمان الذي أخبر عنه عبادة رضي الله عنه .

وفي المقابل سيجد من لم يؤمن بالقدر الوعيد الشديد وذلك بأن يعذبه الله بالنار ويذيقه العذاب الأليم الذي ينتظره فيها . 

الوقفة السادسة :

يتساءل بعض الناس ويقول: هل يقدر الله الشر والرسول صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه (والشر ليس إليك)  ؟

الجواب: أن الشر الذي نفاه الرسول عن الله هو الشر المحض الذي لا خير فيه بوجه من الوجوه .

ولكن الشر الذي قدره الله يكون شراً في ظاهره ولكن في باطنه من الخير الذي نعلمه أو لا نعلمه، فإبليس هو شر فيما يظهر لنا، ولكن هناك خير وهذا الخير هو تمحيص الله المؤمنين عن الكافرين والمنافقين بوسوسته لهم فيظهر المؤمن الصادق عن غيره كما قال تعالى: ]إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ[  .

وكذلك المصائب التي يصيب الله تعالى بها من يشاء من عباده حتى يتميز المسلم الصابر الشاكر فيرتفع إيمانه وتُكفر عنه سيئاته، أو يكفر ويجزع فيضل ويخسر ، وقد جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذلك إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيراً لـه، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً لـه)  .

الوقفة السابعة:

وقد يقول قائل: إذا كانت الأمور مقدرة على الإنسان فلماذا أعمل وأصلي وأذهب إلى وظيفتي فما قُدر لي سيأتيني عملت أو لم أعمل؟

الجواب: نقول: صحيح أن الله عز وجل قدر الأشياء كلها، ولكنه أعطى الإنسان قدرة بأن يتحرك ويعمل ويسر لـه الأسباب المعينة لذلك.

ولو ضربنا لهذا مثلاً وجيء بإنسان وضع له أطيب الطعام وفي الجانب الآخر وضع لـه جمر فماذا سيختار ؟ لا شك أنه سيختار أطيب الطعام فدل هذا على أن له اختياراً.

وكذلك أمر العبادات والأعمال الصالحة، فأنت باختيارك تقوم تصلي أو لا ، تذهب وتعمل أو لا . فدلّ ذلك على أن للعبد اختياراً.

ولقد سئُل النبي صلى الله عليه وسلم لما قال لصحابته: (ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار) قالوا: يا رسول الله: أفلا ندع العمل ونتكل؟ قال: (اعملوا فكل ميسر لما خلق لـه)  .

الوقفة الثامنة:

 فإن قال قائل: كيف يمكن أن نفسر قول النبي صلى الله عليه وسلم : (لا يرد القضاء إلا الدعاء) .

الجواب عن هذا من وجهين :

الوجه الأول: أن القدر المكتوب على الإنسان مما يعلمه الملك الموكل بذلك، فقد يكون مقدر على هذا الإنسان أمراً معيناً فيدعو الله فيُرد هذا الأمر بدعائه، فيعلم الملك الموكل بهذا الإنسان إنما رُد القدر الأول بسبب دعائه .

الوجه الآخر : أن هذا الأمر سبق في علم الله سبحانه أن هذا الإنسان ستصيبه مصيبة مثلاً، ثم يقدر الله عليه أنه سيدعو الله فيرد الله هذه المصيبة بدعاء هذا الإنسان .

وهذا حافز لكل مسلم أن يدعو الله ويكثر اللجوء إليه فإن الأمر كله لله.

الوقفة التاسعة :

مقامات الناس في الإيمان بالقدر :

1 - الإيمان والجزم بالقدر بمراتبه الأربعة وهذا هو المؤمن الصادق .

2 - إنكار ذلك وهذا هو الكافر.

3 - الشك والتردد، وهذا يلحق النوع الثاني وهو الكفر، وهذا هو الظاهر من رواية ابن وهب : "فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار"  .

الوقفة العاشرة :

رواية ابن وهب وما بعدها كلها تفيد الوعيد الشديد لمن لم يؤمن بالقدر ولمن أنكر القدر، فيجب على الإنسان أن يؤمن بالقدر لئلا يقع في الوعيد الشديد ولذلك قال: (أحرقه الله بالنار). وفي رواية : (لم يقبل الله منه هذه الصدقات وهذا الإنفاق الذي ملء أحد ذهباً)، ولذلك يجب على المسلم أن يؤمن بالقدر خيره وشره، وأن يعلم أن هذا من عند الله عز وجل.

وإذا تقرر هذا كما قرره النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام .

نوجه نداء إلى جميع المسلمين فيما يتصل بالقدر، وهذا النداء يتضمن جزءاً مما قلناه قبل قليل، وهو أن على الإنسان أن يتعلق بالله جل وعلا، فإن أصابه خير ارتاح واطمأن وحمد الله جل وعلا على ما قضاه لـه من أمور الخير، وهنا يأتي الشكر فإن أصابه سراء شكر فكان خيراً لـه وإن أصابه شيء آخر مما ظاهره شر فموقفه أن يؤمن بالله سبحانه وتعالى بأنه قدر هذا الأمر، وما قدره إلا بأن تكون عاقبته خيراً إذا تعامل المسلم معه التعامل الشرعي المطلوب.

والتعامل الشرعي المطلوب تبدأ درجاته بالصبر على ما قضاه الله سبحانه وتعالى مما ظاهره شر، فالحياة مبنية على الكبد وخلق الإنسان كذلك كما ذكر ربنا سبحانه وتعالى، فإذا كان الأمر كذلك فلن تصفو لأحد، ولو كانت الدنيا تدوم للناس بالخير لدامت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن أمر الدنيا متقلب بين أفراح وأتراح، فإذا أصيب الإنسان بما ظاهره شر من مرض ومن فقر ومن عدم النجاح في بعض الأمور وبعض المشاريع ومن الخسارة المالية فعلى المسلم أن يصبر على ما قدر عليه كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم .

ثاني الدرجات: مع هذا الصبر أن يرضى بقضاء الله سبحانه وتعالى، وهذا جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : (وأسألك الرضا بعد القضاء)   . وهذه درجة أعلا .  

والدرجة العليا التي يصل إليها الموفقون هي درجة الشكر تعني أن يجعل المسلم ما أصابه من المحن منحة من الله سبحانه وتعالى، وكيف يكون ذلك؟!

يعلم الإنسان أن أعماله قد لا ترقى به إلى الدرجات العليا لكن يقدر الله سبحانه وتعالى عليه من بعض الأمور التي ظاهرها شر ، فيحمد العبد ربه على ذلك فتنقلب المحن منحاً، ومن هذا يجب أن نربط علاقتنا بالله على أي وجه كانت الأمور، ولا يعني هذا أن يكون الإنسان سبهللاً لا يعنيه الأمر من خير أو شر ولكن المقصود أن يعلم أن هذه الأمور من الله سبحانه وتعالى فيتعامل معها التعامل الشرعي، رزقنا الله ذلك.

الوقفة الحادية عشر:

فوائد الإيمان بالقدر:

1 - أنه من تمام توحيد الربوبية .

2 - أن من علم أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه وسلم لهذا ذاق طعم الإيمان .

3 - أن الإيمان بالقدر يبعث الطمأنينة والأمان في قلب المؤمن .

4 - أن الإيمان بالقدر يقوي علاقته بالله عز وجل ويبعده عن التحسر والندم على ما فات.

5 - أن الإنسان يزداد من فعل الطاعات واجتناب المنكرات.

6 - الإقدام على العمل وعدم الكسل، إذ أن الإيمان بالقدر دافع للمزيد من العمل فلا يعجز ويتكل.