بحث عن بحث

ثانيًا: الأعمال البدنية :

إن الشرع الإسلامي قد حث متبعيه على نفع الآخرين بكل قوة حباهم الله إياها، وهذه القوة أمانة عندهم من الله سبحانه، ولذا على العبد في كل مفصل يملكه في جسمه صدقة كل يوم.

×   ففي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه  قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : «كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الاثنين صدقة، ويعين الرجل على دابته فيحمل عليها أو يرفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة، ويميط الأذى عن الطريق صدقة».

في هذا الحديث جميع ما ذكر من الأعمال -إلا المشي إلى الصلاة- مما يتعدى نفعها للآخرين، وهي تُعمل إما بقوة الجسم أو باللسان.

×   وفي حديث آخر عن ابن أبي بردة عن أبيه عن جده عن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال: «على كل مسلم صدقة. فقالوا: يا نبي الله! فمن لم يجد؟ قال: يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق، قالوا: فإن لم يجد؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف، قالوا: فإن لم يجد؟ قال: فليعمل بالمعروف وليمسك عن الشر فإنها له صدقة».

mقال ابن حجر في شرح هذا الحديث: «وليس ما تضمنه الخبر من قوله: «فإن لم يجد» ترتيبًا، وإنما هو للإيضاح لما يفعله مَنْ عَجزَ عن خصلة من الخصال المذكورة فإنه يمكنه خصلة أخرى، فمن أمكنه أن يعمل بيده فيتصدق، وأن يغيث الملهوف، وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويمسك عن الشر؛ فليفعل الجميع، ومقصود هذا الباب أن أعمال الخير تنزل منزلة الصدقات في الأجر ولا سيما في حق من لا يقدر عليها. ويفهم منه أن الصدقة في حق القادر عليها أفضل من الأعمال القاصرة، ومحصل ما ذكر في حديث الباب أنه لابد من الشفقة على خلق الله، وهي إما بالمال أو غيره، والمال إما حاصل مكتسب، وغير المال إما فعل وهو الإغاثة، وإما ترك وهو الإمساك».

×   وفي حديث آخر عن أبي ذر رضي الله عنه  قال: سألت النبي  صلى الله عليه وسلم : أي العمل أفضل؟ قال: «إيمان بالله وجهاد في سبيله»، قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: «أغلاها ثمنًا وأنفَسُها عند أهلها»، قلت: فإن لم أفعل؟ قال: «تُعين صانعًا أو تصنع لأخرقَ»، قال: فإن لم أفعل؟ قال: «تَدَعُ الناس من الشر فإنها صدقة تصدق بها على نفسك».

mقال النووي: «محله -والله أعلم- فيمن أراد أن يعتق رقبة واحدة، أما لو كان مع شخص ألف درهم مثلًا فأراد أن يشتري بها رقبة يعتقها فوجد رقبة نفيسة أو رقبتين مفضولتين فالرقبتان أفضل، قال: وهذا بخلاف الأضحية فإن الواحدة السمينة فيها أفضل؛ لأن المطلوب هنا فك الرقبة وهناك طيب اللحمة».

mوقال ابن حجر: «والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فرب شخص واحد إذا أعتق انتفع بالعتق وانتفع به أضعاف ما يحصل من النفع بعتق أكثر عددًا منه، ورب محتاج إلى كثرة اللحم لتفرقته على المحاويج الذين ينتفعون به أكثر مما ينتفع هو بطيب اللحم، فالضابط أن مهما كان أكثر نفعًا كان أفضل، سواء قل أو كثر».

×   وعند الترمذي عن أبي ذر قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : «تبسمك في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة».

×   وعند مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه  أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال: «حق المسلم على المسلم ست»: قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: «إذا لقيته فسلِّم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمِّته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه».

×   وقال تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 114].

×   وفي الحديث الصحيح عن تميم الداري أن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال: «الدين النصيحة»، قلنا: لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم».

هذه الآيات والأحاديث فيها حث وترغيب للمسلم أن يعمل كل عمل ينفع الآخرين، سواء بقوة جسمه أو بلسانه أو جاهه أو قربه من المسؤولين، وهذا العمل قد يفوق أجره أجر عبادات التطوع كما ذكرناه في حديث الحسن البصري وثابت البناني.

هل رأيت أجر من يقوم بخدمة الآخرين ونفعهم؟

×   جاء في ذلك حديث أنس رضي الله عنه  قال: كنا مع النبي  صلى الله عليه وسلم ، أكثرنا ظلًا الذي يستظل بكسائه، وأما الذين صاموا فلم يعملوا شيئًا، وأما الذين أفطروا فبعثوا الركاب وامتهنوا وعالجوا. فقال النبي  صلى الله عليه وسلم : «ذهب المفطرون اليوم بالأجر».

وبعد:

فيتلخص من هذه النصوص: أن من الأعمال التي تعمل بقوة جسم العبد ولسانه وجاهه ويتعدى نفعها للآخرين ما يلي:

1 ـ تعليم الجاهل: سواء الأمور الشرعية أو الأمور الدنيوية التي تنفعه، أما الأمور الشرعية مثل: تعليم القرآن والحديث والفقه وغيرها؛ فلا شك في فضلها وآثارها في الدنيا والآخرة، أما تعليم الأمور الدنيوية فله أيضًا فضل، وقد عده الرسول  صلى الله عليه وسلم  من الصدقة كما مرّ.

2 ـ الأمر  بالمعروف والنهي عن المنكر: وهذا لا شك في نفعه للآخرين؛ بل إن المجتمع الذي لا يؤمر فيه بالمعروف ولا ينهى عن المنكر يخشى أن يعذبه الله بأنواع من العذاب، وفي حديث الترمذي عن حذيفة بن اليمان عن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم».

3 ـ إعانة المظلوم: عن أنس رضي الله عنه  قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : «انصر أخاك ظالـمًا أو مظلومًا» قالوا: يا رسول الله! هذا ننصره مظلومًا فكيف ننصره ظالـمًا؟ قال: «تأخذ فوق يديه».

4 ـ إعانة المسلم في بعض أعماله: مثل أن تحمل له المتاع في سيارته، أو توصله لمكان آخر بدون أجرة.. وفي الحديث الذي مر آنفًا: «وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة»، «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه».

5 ـ إعانة المسلم في بعض مهنته: مثل الموظف الجديد يعلمه من سبقه نوعية العمل، أو يعلمه صنعته كالحاسب الآلي مثلًا إذا كانت ظروف العمل تتطلّب معرفته، وهذا الموظف لا يعرف أو لا يحسن استخدامه. وفي الحديث الذي مر سابقًا: «وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة».

6 ـ النصح لكل مسلم: وفي الحديث: «وإذا استنصحك فانصح له»، قال ابن السعدي رحمه الله: «أي: إذا استشارك في عمل من الأعمال: هل يعمله أم لا؟ فانصح له بما تحبه لنفسك؛ فإن كان العمل نافعًا من كل وجه فحثه على فعله، وإن كان مضرًا فحذره منه، وإن احتوى على نفع وضرر فاشرح له ذلك، ووازن بين المصالح والمفاسد، وكذلك إذا شاورك على معاملة أحد من الناس أو تزويجه أو التزويج منه فابذل له محض نصيحتك، وأعمل له من الرأي ما تعلمه لنفسك، وإياك أن تغشه في شيء من ذلك، فمن غش المسلمين فليس منهم، وقد ترك واجب النصيحة».

7 ـ الإصلاح بين الناس: وهو من خير الأعمال، ففي الحديث المتفق عليه عن أم كلثوم بنت عقبة أنها سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يقول: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرًا أو يقول خيرًا». وذكرنا قول الله تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء: 114].

8 ـ إعانة المسلم بالجاه والشفاعة: ففي الحديث المتفق عليه عن أبي موسى رضي الله عنه  قال: كان رسول الله  صلى الله عليه وسلم  إذا جاءه السائل أو طلبت إليه حاجة قال: «اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه  صلى الله عليه وسلم  ما شاء».

يقول ابن سعدي رحمه الله: «هذا الحديث متضمن لأصل كبير وفائدة عظيمة، وهو أنه ينبغي للعبد أن يسعى في أمور الخير سواء أثمرت مقاصدها ونتائجها أو حصل بعضها، أو لم يتم منها شيء، وذلك كالشفاعة لأصحاب الحاجات عند الملوك والكبراء، ومن تعلقت حاجاتهم بهم؛ فإن كثيرًا من الناس يمتنع من السعي فيها إذا لم يعلم قبول شفاعته، فيفوت على نفسه خيرًا كثيرًا من الله، ومعروفًا عند أخيه المسلم، فلهذا أمر النبي  صلى الله عليه وسلم  أصحابه أن يساعدوا أصحاب الحاجة بالشفاعة لهم عنده ليتعجلوا الأجر عند الله...».

9 ـ كل عمل معنوي يفرح به أخوك المسلم: مثل تبسمك في وجه أخيك، كما مر في الحديث، وفي حديث جرير قال: ما حجبني النبي  صلى الله عليه وسلم  منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم في وجهي، ولقد شكوت إليه أني لا أثبت على الخيل فضرب بيده في صدري وقال: «اللهم ثبته واجعله هاديًا مهديا».

ويقاس على هذه الأعمال غيرها مما يقوم به المسلم في بدنه أو ماله.