بحث عن بحث

الوقفة السابعة:الإحسان في الدعوة إلى الله (1-4)

لا يخفى على مسلم بصير بدينه أن الدعوة إلى الله، وتبليغ دينه إلى عامة الناس من أهم الواجبات، قال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(1) .

والدعوة إلى الله فضلها كبيرٌ, وأجرها عظيمٌ عند الله، فقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّـهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ(2) ، وقال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ(3) .

وفضلها يتضح أكثر فيما جاء في الصحيح من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فوالله لأن يُهدَى بك رجلٌ واحدٌ خيرٌ لك من حمر النعم»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله«(4)

ومن فضلها أيضًا: أن الدعوة ميراث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّـهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(5) ، ويكرم الداعية بمعية النبي صلى الله عليه وسلم لقيامه بمهمة الدعوة لقوله تعالى: ﴿قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّـهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّـهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ(6) .

فعلى الداعية إلى الله أن يجد ويجتهد في تبليغ دين الله حسب طاقته، وبكل ما يملك من طاقاته ووسائله؛ بالكتابة والخطابة والتوجيه والكلمة والدروس.

ومن الإحسان في الدعوة: أن يتصف الداعية بصفات حميدة وأخلاق حسنة، ومنها ما يلي:

1-الإخلاص: لا يمكن أن تنجح الدعوة ويصل الداعية إلى هدفه المنشود إلا بالإخلاص لله وحده، لا أجرًا في الدنيا ولا رياءً ولا سمعةً، وإنما طمعًا في ثواب الله وأجره، وإصلاحًا لعقيدة الناس وعباداتهم ومعاملاتهم وأخلاقهم، ويكون شعاره: ﴿يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ(7) .

2-محبة الله ورسوله: الداعية والمربي من أعظم المحبين لله تعالى، ولرسوله صلى الله عليه وسلم، فكلما يعظم هذا الحب في القلوب فيعظم في السلوك، فعليه أن يكون ثابتًا على استمرار المحبة في جميع الأوقات والأمكنة والأحوال والظروف، لا أن يكون الحب دعوى، أو في وقت دون آخر، فهذا مخادعة للنفس، ومجانبة للطريق، فالمحب ثابت في مبدئه لمن أحبه لا يكون في حال دون حال.

3-العلم: فالداعية يجب أن تكون دعوته على بينة، وعلم بما يدعو إليه، يقول تعالى: ﴿قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّـهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّـهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، والذي يدعو بغير علم قد يدعو إلى الشر ويحسبه معروفًا، أو ينهى عن المعروف ويحسبه منكرًا؛ فليعلم الداعية أن (لا أدري) نصف العلم، فلا يخوض فيما لا يعلم، والله سبحانه وتعالى قد حرم أن يقول الناس على الله ما لا يعلمون، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّـهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّـهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(8) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)[آل عمران:104]

(2) [فصلت:33]

(3) [آل عمران:110]

(4) صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله بمركوب وغيره، برقم: (1893).

(5) [المائدة:67]

(6) [يوسف:108]

(7) [هود:51]

(8) [الأعراف:33]