بحث عن بحث

المبحث التاسع: الإحسان مع الجمادات (1-2)

إن الإسلام اهتم بحفظ الجمادات أيضًا؛ لأنها خلقت بإذن الله، وكل الخلائق تعبد الله بالتسبيح والتمجيد له، كما قال تعالى: ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا(1) .

يقول ابن كثير: «وقوله: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾ أي: وما من شيء من المخلوقات إلا يسبح بحمد الله، ﴿ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ أي: لا تفقهون تسبيحهم أيها الناس لأنها بخلاف لغتكم، وهذا عامٌ في الحيوانات والنبات والجماد. وهذا أشهر القولين«(2)

وقال تعالى: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّـهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(3) .

يقول ابن كثير: «إذا كان الجبل في غلظه وقساوته لو فهم هذا القرآن فتدبر ما فيه لخشع وتصدع من خوف الله ﻷ فكيف يليق بكم أيها البشر أن لا تلين قلوبكم وتخشع وتتصدع من خشية الله؟(4)

وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ بَل لِّلَّـهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا(5) .

والجواب محذوف وهو: (لكان هذا القرآن). لكن حذف إيجازًا لما في ظاهر الكلام من الدلالة عليه(6)

وقال تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّـهِ ۗ وَمَا اللَّـهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(7) .

قال أبو جعفر الطبري: «يعني بذلك جل ثناؤه: وإن من الحجارة لما يهبط، أي: يتردى من رأس الجبل إلى الأرض والسفح من خوف الله وخشيته«(8)

وكما جاء في الحديث عن عبد الله رضي الله عنه قال: «كنا نعد الآيات بركة وأنتم تعدونها تخويفًا, كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فقلَّ الماء؛ فقال: اطلبوا فضلةً من ماء. فجاءوا بإناء فيه ماءٌ قليلٌ، فأدخل يده في الإناء ثم قال: حي على الطهور المبارك والبركة من الله. فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل«(9)

ومن الجمادات ما كانت تعظم النبي صلى الله عليه وسلم وتمتثل بأمره؛ كما جاء في الحديث ذكر مَشْي إِحْدَى الشَّجَرَتَيْنِ إِلَى الْأُخْرَى حِين دَعَاهُمَا النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم؛ فعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: «خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ، وَكَانَ لَا يَأْتِي الْبَرَازَ حَتَّى يَتَغَيَّبَ فَلَا يُرَى, فَنَزَلْنَا بِفَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ لَيْسَ فِيهَا شَجَرٌ وَلَا عَلَمٌ, فَقَالَ: يَا جَابِرُ! اجْعَلْ فِي إِدَاوَتِكَ مَاءً ثُمَّ انْطَلِقْ بِنَا. قَالَ: فَانْطَلَقْنَا حَتَّى لَا نُرَى, فَإِذَا هُوَ بِشَجَرَتَيْنِ بَيْنَهُمَا أَرْبَعُ أَذْرُعٍ. فَقَالَ: يَا جَابِرُ! انْطَلِقْ إِلَى هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَقُلْ: يُقَلْ لَكِ الحَقِي بِصَاحِبَتِكِ حَتَّى أَجْلِسَ خَلْفَكُمَا، فَرَجَعَتْ إِلَيْهَا، فَجَلَسَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم خَلْفَهُمَا، ثُمَّ رَجَعَتَا إِلَى مَكَانِهِمَا...» الحديث(10)

ومنها ما كانت تسلم عليه، فعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ؛ إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ«(11)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [الإسراء:44]

(2) تفسير القرآن العظيم لابن كثير، (5/76).

(3) [الحشر:21]

(4) المرجع السابق (8/105).

(5) [الرعد:31]

(6) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، المجلد الخامس، (9/319).

(7) [البقرة:74]

(8) جامع البيان عن تأويل آي القرآن لأبي جعفر الطبري (2/ 135).

(9) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة، برقم: (3579).

(10) سنن الدارمي، المقدمة، ما أكرم الله به نبيه من إيمان الشجر به، برقم: (17).

(11) صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي غ  وتسليم...، برقم: (2277).