بحث عن بحث

المبحث الخامس: الإحسان إلى الجيران (2-4)

ومن الإحسان إلى الجار: عدم إيذائه بالقول أو بالفعل؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ, وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ«(1)

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ, وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ, وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ«(2)

قال النووي: «قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ الله: مَعْنَى الْحَدِيث: أَنَّ مَنْ الْتَزَمَ شَرَائِع الْإِسْلَام لَزِمَهُ إِكْرَام جَاره وَضَيْفه, وَبِرِّهِمَا. وَكُلّ ذَلِكَ تَعْرِيف بِحَقِّ الْجَار، وَحَثّ عَلَى حِفْظه«(3)

قال الحافظ: «المُرَاد بِقَوْلِهِ يُؤْمِن الْإِيمَان الْكَامِل، وَخَصَّهُ بِالله وَالْيَوْم الْآخِر إِشَارَة إِلَى المَبْدَأ وَالمَعَاد«(4)

وقد ورد أن الذي يؤذي جاره فهو ناقص الإيمان؛ فعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «وَالله لَا يُؤْمِنُ, وَالله لَا يُؤْمِنُ, وَالله لَا يُؤْمِنُ, قِيلَ: وَمَنْ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَايِقَهُ«(5)

قَالَ ابْن بَطَّال: «فِي هَذَا الْحَدِيث تَأْكِيد حَقِّ الْجَار لِقَسَمِهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى ذَلِكَ, وَتَكْرِيره الْيَمِين ثَلَاث مَرَّات, وَفِيهِ نَفْي الْإِيمَان عَمَّنْ يُؤْذِي جَاره بِالْقَوْلِ أَوْ الْفِعْل، وَمُرَاده الْإِيمَان الْكَامِل، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعَاصِي غَيْر كَامِل الْإِيمَان. وَقَالَ النَّوَوِيّ عَنْ نَفْي الْإِيمَان فِي مِثْل هَذَا جَوَابَانِ: أَحَدهمَا: أَنَّهُ فِي حَقّ المُسْتَحِلّ, وَالثَّانِي: أَنَّ مَعْنَاهُ لَيْسَ مُؤْمِنًا كَامِلًا.ا.هـ.

وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون المُرَاد أَنَّهُ لَا يُجَازَى مُجَازَاة المُؤْمِن بِدُخُولِ الْجَنَّة مِنْ أَوَّل وَهْلَة مَثَلًا, أَوْ أَنَّ هَذَا خَرَجَ مَخْرَج الزَّجْر وَالتَّغْلِيظ, وَظَاهِره غَيْر مُرَاد. وَالله أَعْلَم«(6)

وكذلك ورد أن الذي لا يأمن جاره بوائقه لا يدخل الجنة؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ«(7)

بوائقه معناه شره, كما في رواية عند أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «وَالله لَا يُؤْمِنُ, وَالله لَا يُؤْمِنُ، وَالله لَا يُؤْمِنُ, قَالُوا: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: الجَارُ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ. قَالُوا: يَا رَسُولَ الله وَمَا بَوَائِقُهُ؟ قَالَ: شَرُّهُ«(8)

يقول الإمام النووي: «الْبَوَائِق جَمْع بَائِقَة وَهِيَ الْغَائِلَة وَالدَّاهِيَة وَالْفَتْك, وَفِي مَعْنَى: «لَا يَدْخُل الْجَنَّة» جَوَابَانِ يَجْرِيَانِ فِي كُلِّ مَا أَشْبَهَ هَذَا.

أَحَدهمَا: أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى مَنْ يَسْتَحِلّ الْإِيذَاء مَعَ عِلْمه بِتَحْرِيمِهِ; فَهَذَا كَافِرٌ لَا يَدْخُلُهَا أَصْلًا.

وَالثَّانِي: مَعْنَاهُ جَزَاؤُهُ أَنْ لَا يَدْخُلهَا وَقْت دُخُول الْفَائِزِينَ إِذَا فُتِحَتْ أَبْوَابهَا لَهُمْ, بَلْ يُؤَخَّر ثُمَّ قَدْ يُجَازَى, وَقَدْ يُعْفَى عَنْهُ فَيَدْخُلهَا أَوَّلًا(9)

بل أمر بإكرامه والإحسان إليه؛ فعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ, وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ, وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ«(10)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب: الحث على إكرام الجار، برقم: (47).

(2) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب: الحث على إكرام الجار، برقم: (47).

(3) شرح صحيح مسلم للنووي،(المجلد الأول)، (2/18).

(4) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، (10 /446).

(5) صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب إثم من لا يأمن جاره بوائقه، برقم: (6016). ([1]) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، (10 /444).

(6) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب: تحريم إيذاء الجار، برقم: (46).

(7) مسند أحمد (4/31).

(8) شرح صحيح مسلم للنووي، (المجلد الأول)، (2/17).

(9) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب: الحث على إكرام الجار، برقم: (48).