بحث عن بحث

المبحث الرابع: الإحسان مع الأرحام (4-5)

وللإحسان إلى الأرحام آثارٌ عظيمةٌ، منها:

أنها سبب في البركة في الرزق وطول العمر؛ فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ«(1)

يقول ابن حجر: «قَالَ الْعُلَمَاءُ: مَعْنَى الْبَسْطِ فِي الرِّزْق الْبَرَكَة فِيهِ, وَفِي الْعُمُر حُصُولُ الْقُوَّةِ فِي الْجَسَدِ؛ لِأَنَّ صِلَةَ أَقَارِبِهِ صَدَقَةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُرَبِّي المَالَ وَتَزِيدُ فِيهِ فَيَنْمُو بِهَا وَيَزْكُو, أَوْ المَعْنَى أَنَّهُ يُكْتَبُ مُقَيَّدًا بِشَرْطٍ، كَأَنْ يُقَالَ إِنْ وَصَلَ رَحِمَهُ فَلَهُ كَذَا وَإِلَّا فَكَذَا, أَوْ المَعْنَى بَقَاءُ ذِكْرِهِ الْجَمِيلِ بَعْدَ المَوْتِ«(2)

كما أن صلة الرحم يفيد المشرك بعد إسلامه؛ فعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ: «يَا رَسُولَ الله! أَرَأَيْتَ أَشْيَاءَ كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ عَتَاقَةٍ وَصِلَةِ رَحِمٍ، فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَجْرٍ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ«(3)

وإن الإنفاق على الأرحام سبب زيادة الأجر والثواب، كما جاء في الحديث عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الحَارِثِ ل أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً وَلَمْ تَسْتَأْذِن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُهَا الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهَا فِيهِ قَالَتْ: أَشَعَرْتَ يَا رَسُولَ الله أَنِّي أَعْتَقْتُ وَلِيدَتِي. قَالَ: أَوَ فَعَلْتِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: أَمَا إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ«(4)

وعَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ الله رضي الله عنها قَالَتْ: «كُنْتُ فِي المَسْجِدِ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ، وَكَانَتْ زَيْنَبُ تُنْفِقُ عَلَى عَبْدِ الله وَأَيْتَامٍ فِي حَجْرِهَا, قَالَ: فَقَالَتْ لِعَبْدِ الله: سَلْ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْكَ وَعَلَى أَيْتَامٍ فِي حَجْرِي مِن الصَّدَقَةِ. فَقَالَ: سَلِي أَنْتِ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم, فَانْطَلَقْتُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. فَوَجَدْتُ امْرَأَةً مِن الْأَنصَارِ عَلَى الْبَابِ حَاجَتُهَا مِثْلُ حَاجَتِي, فَمَرَّ عَلَيْنَا بِلَالٌ. فَقُلْنَا: سَل النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَى زَوْجِي وَأَيْتَامٍ لِي فِي حَجْرِي؟ وَقُلْنَا: لَا تُخْبِرْ بِنَا فَدَخَلَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: مَنْ هُمَا؟ قَالَ: زَيْنَبُ قَالَ: أَيُّ الزَّيَانِبِ؟ قَالَ: امْرَأَةُ عَبْدِ الله قَالَ: نَعَمْ لَهَا أَجْرَانِ: أَجْرُ الْقَرَابَةِ، وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ«(5)

قال ابن حجر: «قَوْله: «وَلَهَا أَجْرَانِ: أَجْر الْقَرَابَة وَأَجْر الصَّدَقَة» أَيْ: أَجْر صِلَة الرَّحِمِ وَأَجْر مَنْفَعَة الصَّدَقَة... وَفِي الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى الصَّدَقَةِ عَلَى الْأَقَارِبِ«(6)

وحديث أبي طلحة في قصة تصدقه بحديقته، بيرحاء حيث أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقسمه على أقاربه، فعن أَنَس بْن مَالِكٍ ا يَقُولُ: «كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الْأَنصَارِ بِالمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ, وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ, وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ, وَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ, قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! إِنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاء, وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لله أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ الله, فَضَعْهَا يَا رَسُولَ الله حَيْثُ أَرَاكَ الله. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: بَخٍ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ, ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ, وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ الله! فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ»(7). فإن الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم صدقة وصلة.

وقد ورد وعيد شديد لمن يقطع الأرحام، فقطيعة الرحم سبب اللعنة، قال تعالى: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ .أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّـهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ(8) .

وقال أيضًا: ﴿ وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّـهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّـهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۙ أُولَـٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ(9) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب من أحب البسط في الرزق، برقم: (2067).

(2) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، (4/ 302).

(3) صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب من تصدق في الشرك ثم أسلم، برقم: (1436).

(4) صحيح البخاري، كتاب الهبة وفضلها، باب هبة المرأة لغير زوجها، برقم: (2592).

(5) صحيح البخاري، كتاب الزكاة, باب الزكاة على الزوج وعلى الأيتام في الحجر، برقم: (1466).

(6) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني (3/ 329-330).

(7) صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب الزكاة على الأقارب، برقم: (1461).

(8) [محمد:22-23]

 (9) [الرعد:25]