بحث عن بحث

المبحث الرابع: الإحسان مع الأرحام (2-5)

ومن الإحسان إلى الأرحام: القيام بصلتهم بالمعروف بالمال وبالعون على الحاجة، وبدفع الضرر, وبطلاقة الوجه, وبالدعاء, وبالزيارات, والهدايا والنفقات، وبالعطف والحنان, ولين الجانب, وبشاشة الوجه, والإكرام والاحترام, وكل ما تعارف الناس عليه من صلة، والمعنى الجامع: إيصال ما أمكن من الخير، ودفع ما أمكن من الشر بحسب الطاقة.

قَالَ الْقُرْطُبِيّ: الرَّحِم الَّتِي تُوصَل عَامَّة وَخَاصَّة: فَالْعَامَّة رَحِم الدِّين وَتَجِب مُوَاصَلَتهَا بِالتَّوَادُدِ وَالتَّنَاصُح وَالْعَدْل وَالْإِنْصَاف وَالْقِيَام بِالْحُقُوقِ الْوَاجِبَة وَالمُسْتَحَبَّة. وَأَمَّا الرَّحِم الْخَاصَّة فَتَزِيد لِلنَّفَقَةِ عَلَى الْقَرِيب، وَتَفَقُّد أَحْوَالهمْ، وَالتَّغَافُل عَنْ زَلَّاتهمْ. وَتَتَفَاوَت مَرَاتِب اِسْتِحْقَاقهمْ فِي ذَلِكَ كَمَا فِي الْحَدِيث، قال بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: «أُمَّكَ». قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أُمَّكَ». قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أُمَّكَ». قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَبَاكَ، ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ«(1)

وَقَالَ ابْن أَبِي جَمْرَة: «تَكُون صِلَة الرَّحِم بِالمَالِ، وَبِالْعَوْنِ عَلَى الْحَاجَة, وَبِدَفْعِ الضَّرَر, وَبِطَلَاقَةِ الْوَجْه, وَبِالدُّعَاءِ. وَالمَعْنَى الْجَامِع: إِيصَال مَا أَمْكَنَ مِن الْخَيْر, وَدَفْع مَا أَمْكَن مِن الشَّرّ بِحَسَبِ الطَّاقَة، وَهَذَا إِنَّمَا يَسْتَمِرّ إِذَا كَانَ أَهْل الرَّحِم أَهْل اِسْتِقَامَة, فَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا أَوْ فُجَّارًا فَمُقَاطَعَتهمْ فِي الله هِيَ صِلَتهمْ, بِشَرْطِ بَذْل الْجَهْد فِي وَعْظهمْ, ثُمَّ إِعْلَامهمْ إِذَا أَصَرُّوا أَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ تَخَلُّفهمْ عَن الْحَقّ, وَلَا يَسْقُط مَعَ ذَلِكَ صِلَتهمْ بِالدُّعَاءِ لَهُمْ بِظَهْرِ الْغَيْب أَنْ يَعُودُوا إِلَى الطَّرِيق المُثْلَى«(2)

وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في البر وصلة الأرحام، كما في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ دَعَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قُرَيْشًا فَاجْتَمَعُوا؛ فَعَمَّ وَخَصَّ، فَقَالَ: «يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِن النَّارِ، يَا بَنِي مُرَّةَ بنِ كَعْبٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِن النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِن النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِن النَّارِ، يَا بَنِي هَاشِمٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِن النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِن النَّارِ، يَا فَاطِمَةُ أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِن النَّارِ؛ فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِن الله شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا«(3)

قال النووي: «قَوْله صلى الله عليه وسلم: «فَإِنِّي لَا أَمْلِك لَكُمْ مِن الله شَيْئًا» مَعْنَاهُ: لَا تَتَّكِلُوا عَلَى قَرَابَتِي فَإِنِّي لَا أَقْدِر عَلَى دَفْع مَكْرُوه يُرِيدهُ الله تَعَالَى بِكَمْ...وَمَعْنَى الْحَدِيث: سَأَصِلُهَا, شُبِّهَتْ قَطِيعَة الرَّحِم بِالْحَرَارَةِ وَوَصْلهَا بِإِطْفَاءِ الْحَرَارَة بِبُرُودَةٍ«(4)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) جامع الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في بر الوالدين، برقم: (1897).

(2) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، (10/418).

(3) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب في قوله تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ برقم: (204).

(4) شرح صحيح مسلم للنووي, (المجلد الأول)، (1/192).