بحث عن بحث

المبحث الثالث: الإحسان إلى الأولاد (10-15)

فالدعاء سلاحٌ عظيمٌ في أيدي الآباء يمكن أن يحطموا به أبناءهم إذا لم يستخدموه الاستخدام الصحيح، فعلى الوالدين أن يتجنبا الدعاء على الأولاد، وهو أمر خطير يخلفه الندم والأسف إن قُبل دعاؤهما، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى ابن مريم، وصاحب جريج، وكان جريج رجلًا عابدًا فاتخذ صومعة فكان فيها، فأتته أمه وهو يصلي فقالت: يا جريج، فقال: يا رب أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته فانصرفت، فلما كان من الغد أتته وهو يصلي فقالت: يا جريج، فقال: يا رب أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته فانصرفت، فلما كان من الغد أتته وهو يصلي فقالت: يا جريج، فقال: أي رب أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فقالت: اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات، فتذاكر بنو إسرائيل جريجًا وعبادته، وكانت امرأة بغي يتمثل بحسنها، فقالت: إن شئتم لأفتننه لكم، قال: فتعرضت له فلم يلتفت إليها، فأتت راعيًا كان يأوي إلى صومعته فأمكنته من نفسها فوقع عليها فحملت، فلما ولدت قالت: هو من جريج، فأتوه فاستنزلوه وهدموا صومعته وجعلوا يضربونه، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: زنيت بهذه البغي فولدت منك، فقال: أين الصبي؟ فجاءوا به، فقال: دعوني حتى أصلي، فصلى فلما انصرف أتى الصبي فطعن في بطنه وقال: يا غلام من أبوك؟! قال: فلان الراعي! قال: فأقبلوا على جريج يقبلونه ويتمسحون به، وقالوا: نبني لك صومعتك من ذهب؟ قال: لا. أعيدوها من طينٍ كما كانت. ففعلوا«(1)

ولو استشعر الآباء مثل هذه الأحاديث لارتدعوا عن الدعاء على أولادهم لما له من أثر سيء على مستقبل أفلاذ أكبادهم، وحذوا حذو الأنبياء في الدعوة لأبنائهم بالهداية والصلاح، فحريٌ بكل مسلم أن يقتدي بهؤلاء الأخيار، وما أحسن أن يقول الوالد إذا أخطأ ولده: هداك الله، وأصلحك الله، ومثل هذه الكلمات.

7-ومن الإحسان إليهم إيجاد عوامل مساعدة للتربية: لتربية النشء تربيةً صالحةً سليمةً عدة عوامل وأسباب، على المسلم أن يبذل كل الجهود لإيجاد هذه العوامل والأسباب حتى يكون بيته بيتًا مثاليًا يشار إليه بالبنان، ومن أراد أن يكون بيته محفوفًا بالمودة والرحمة والحب والحنان فليعمل بالعوامل الآتية:

اختيار المثل الأعلى للناشئ: لأننا إن لم نختر له اختار لنفسه حسب ما يراه في المجتمع من القدوات السيئة من الفنانين والمطربين واللاعبين، فعلى الأبوين أن يوجدا القدوة الصالحة والمثل الأعلى لأولادهم.

وأهمية اختيار القدوة الصالحة للابن والبنت تتبين من خلال هذا الحديث الذي رواه البخاري عن سلمة بن الأكوع ا قال: مرّ النبي صلى الله عليه وسلم على نفر من أسلم ينتضلون، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميًا، ارموا وأنا مع بني فلان» قال: فأمسك أحد الفريقين بأيديهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما لكم لا ترمون»؟ قالوا: كيف نرمي وأنت معهم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ارموا فأنا معكم كلكم«(2)

ففي هذا الحديث قدم لأصحابه المثل الأعلى الذي يسيرون على منهجه في هذا الموقف وهو إسماعيل عليه السلام، ولا شك أن الأبوين لن يجدا أفضل ولا أعظم قدوة من قدوة المسلمين جميعًا محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم.

ولذا يقول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: «كنا نعلم أولادنا مغازي الرسول صلى الله عليه وسلم كما نعلمهم السورة من القرآن«

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رواه مسلم في البر والصلة، باب تقديم بر الوالدين على التطوع بالصلاة وغيرها، برقم: (2550).

(2) رواه البخاري في الجهاد والسير، باب التحريض على الرمي، وقول الله ﻷ: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾ برقم: (2899).