بحث عن بحث

المبحث الثالث: الإحسان إلى الأولاد (8-15)

وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على حسن تربية الفتاة، والإحسان إليها بالأخص، فعن عُرْوَةَ بْن الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَدَّثَتْهُ قَالَتْ: «جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ تَسْأَلُنِي، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَعْطَيْتُهَا، فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ: مَنْ يَلِي مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ شَيْئًا فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِن النَّار«(1)

يقول ابن حجر: «قَوْله: «فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ» وَاَلَّذِي يَقَع فِي أَكْثَر الرِّوَايَات بِلَفْظِ الْإِحْسَان، وَفِي رِوَايَة عَبْد المَجِيد: «فَصَبَرَ عَلَيْهِنَّ», وَمِثْله فِي حَدِيث عُقْبَةَ بْن عَامِر فِي «الْأَدَب المُفْرَد»، وَكَذَا وَقَعَ فِي ابْن مَاجَهْ وَزَادَ: «وَأَطْعَمَهُنَّ وَسَقَاهُنَّ وَكَسَاهُنَّ»، وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ: «فَأَنْفَقَ عَلَيْهِنَّ وَزَوَّجَهُنَّ وَأَحْسَنَ أَدَبهنَّ»، وَفِي حَدِيث جَابِر عِنْدَ أَحْمَد وَفِي الْأَدَب المُفْرَد «يُؤْوِيهِنَّ وَيَرْحَمهُنَّ وَيَكْفُلهُنَّ» ، زَادَ الطَّبَرِيُّ فِيهِ: «وَيُزَوِّجهُنَّ» ، وَلَهُ نَحْوه مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي «الْأَوْسَط»، وَلِلتِّرْمِذِيِّ، وَفِي «الْأَدَب المُفْرَد» مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد: «فَأَحْسَنَ صُحْبَتهنَّ وَاتَّقَى الله فِيهِنَّ»، وَهَذِهِ الْأَوْصَاف يَجْمَعهَا لَفْظ «الْإِحْسَان» الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي حَدِيث الْبَاب.

وَفِي الْحَدِيث تَأْكِيد حَقِّ الْبَنَات لِمَا فِيهِنَّ مِن الضَّعْف غَالِبًا عَن الْقِيَام بِمَصَالِح أَنْفُسهنَّ, بِخِلَافِ الذُّكُور لِمَا فِيهِمْ مِنْ قُوَّة الْبَدَن، وَجَزَالَة الرَّأْي، وَإِمْكَان التَّصَرُّف فِي الْأُمُور المُحْتَاج إِلَيْهَا فِي أَكْثَر الْأَحْوَال. وَقَالَ النَّوَوِيّ تَبَعًا لِابْنِ بَطَّال: «إِنَّمَا سَمَّاهُ اِبْتِلَاء؛ لِأَنَّ النَّاس يَكْرَهُونَ الْبَنَات, فَجَاءَ الشَّرْع بِزَجْرِهِمْ عَنْ ذَلِكَ, وَرَغَّبَ فِي إِبْقَائِهِنَّ، وَتَرْك قَتْلهنَّ، بِمَا ذَكَرَ مِن الثَّوَاب المَوْعُود بِهِ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ، وَجَاهَدَ نَفْسه فِي الصَّبْر عَلَيْهِنَّ«(2)

كما يدل على فضل تربيتهن قوله صلى الله عليه وسلم: «من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين. وضم أصابعه«(3)

5- ومن الإحسان إليهم: تعويدهم على خصال الكرم والشجاعة والجرأة في الحق، وقد كان الصحابة والسلف الصالح يشجعون أبناءهم ويعودونهم على الثقة بالنفس، روى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أخبروني بشجرةٍ تشبه. أو كالرجل المسلم لا يتحات ورقها، تؤتي أكلها كل حين» قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة, ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان فكرهت أن أتكلم، فلما لم يقولوا شيئًا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هي النخلة» فلما قمنا قلت لعمر: يا أبتاه! والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة، فقال: ما منعك أن تكلم؟ قال: لم أركم تكلمون فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئًا، قال عمر: لأن تكون قلتها أحب إليّ من كذا وكذا«(4)

فما أجمل أن نربي أبناءنا على الشجاعة والجرأة في الحق، وبذلك يمكننا أيضًا أن نعالج ظاهرة الخوف عند الأطفال، هذا عمر رضي الله عنه الذي شجع ابنه على التكلم أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرح عند ما مر بشارع من شوارع المدينة وكان عبدالله بن الزبير يلعب مع بعض الغلمان وهو طفلٌ صغيرٌ، فهرب الغلمان كلهم من هيبة عمر إلا عبد الله بن الزبير، فقال عمر له: لمَ لمْ تهرب مع الصبيان؟ فقال ابن الزبير: لست جانيًا فأفر منك، وليست الطريق ضيقةً فأوسعها لك.

ومن علاج ظاهرة الخوف: تعويد الأطفال على العبادة منذ صغرهم, وتقوية ثقتهم بأنفسهم بالخلطة الممدوحة التي يُطبع بها الطفل على الشجاعة والجرأة في الحق.

ومما يغرس الشجاعة والثقة بالنفس: أن يعلم الطفل مواقف أبناء الصحابة وما كانوا عليه من الشجاعة، وتسابقهم إلى الشهادة في سبيل الله، ففي غزوة بدر «كان عمير بن أبي وقاص يتوارى ويختفي فقيل له: ما لك؟ فقال: أتوارى من رسول الله غ، فأنا أحب الشهادة وأخاف أن يردني، فلما عُرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم رده لصغره، فبكى فأجازه«

فمثل هذا الموقف ليس ببعيد عن أبنائنا إذا ربّيناهم تربيةً سليمةً على الإيمان بالقضاء والقدر، والشجاعة والإقدام، وتجنبنا الأساليب التربوية الخاطئة التي تزرع الخوف والجبن في نفوس أبنائنا، وتنزع ثقتهم بأنفسهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله، برقم: (5995).

(2) فتح الباري شرح صحيح البخاري (10/428-429) بتصرف.

(3) رواه مسلم في البر والصلة، باب فضل الإحسان إلى البنات، برقم: (2631).

(4) رواه البخاري في العلم، باب الحياء في العلم، برقم: (131)، ومسلم في صفات المنافقين، باب مثل المؤمن مثل النخلة، برقم: (2811).