بحث عن بحث

المبحث الثانيإحسان الزوجين مع بعضهما البعض (4-15)

وإذا كان الزوج شحيحًا يجوز للمرأة أن تتصرف في مال زوجها بالمعروف؛ حيث أذن النبي صلى الله عليه وسلم لأم معاوية أن تأخذ من مال زوجها سرًا ما يكفيها وأولادها، كما جاء في الحديث عن عائشةَ رضي الله عنها: «قالت هندٌ أُمّ مُعاويةَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ أبا سفيانَ رجلٌ شَحيحٌ، فهل عليَّ جُناحٌ أن آخُذَ مِن مالهِ سِرًّا؟ قال: «خُذي أنتِ وبنوكِ ما يَكفيكِ بالمعروف«(1).

والمراد بالمعروف القدر الذي عرف بالعادة أنه الكفاية، وفيه دليل على وجوب نفقة الزوجة على زوجها، وهو مجمع عليه(2)

وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الإنفاق على الزوجة صدقةً يثاب الزوج عليها، فعن عامر بن سعدٍ رضي الله عنه قال: «كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يَعودني وأنا مريضٌ بمكة، فقلتُ: لي مالٌ، أوصي بمالي كلِّه؟ قال: لا. قلتُ: فالشطر؟ قال: لا. قلت: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير, أن تَدَعَ وَرَثتكَ أغنياءَ خير من أن تَدَعهم عالةً يتكففونَ الناس في أيديهم. ومهما أَنفقتَ فهو لك صَدَقة، حتى اللقمةَ ترفعها فيفيِّ امرأتِكَ«(3)

قال النووي: «فيه أن المباح إذا قصد به وجه الله تعالى صار طاعةً ويثاب عليه، وقد نبه صلى الله عليه وسلم على هذا بقوله: «حتى اللقمة تجعلها في فيِّ امرأتك»؛ لأن زوجة الإنسان هي من أخص حظوظه الدنيوية وشهواته وملاذه المباحة، وإذا وضع اللقمة في فيها فإنما يكون ذلك في العادة عند الملاعبة والملاطفة والتلذذ بالمباح، فهذه الحالة أبعد الأشياء عن الطاعة وأمور الآخرة، ومع هذا أخبر صلى الله عليه وسلم أنه إذا قصد بهذه اللقمة وجه الله تعالى حصل له الأجر بذلك، فغير هذه الحالة أولى بحصول الأجر إذا أراد وجه الله تعالى«(4)

بل جعله النبي صلى الله عليه وسلم من أفضل الصدقات، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ الله، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ«(5)

يقول النووي: «مَقْصُود الْبَاب: الْحَثّ عَلَى النَّفَقَة عَلَى الْعِيَال, وَبَيَان عِظَمِ الثَّوَاب فِيهِ; لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ تَجِب نَفَقَته بِالْقَرَابَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَكُون مَنْدُوبَةً، وَتَكُون صَدَقَةً وَصِلَةً, وَمِنْهُمْ مَنْ تَكُون وَاجِبَة بِمِلْكِ النِّكَاح أَوْ مِلْك الْيَمِين, وَهَذَا كُلّه فَاضِل مَحْثُوث عَلَيْهِ, وَهُوَ أَفْضَل مِنْ صَدَقَة التَّطَوُّع(6)

وقد أمر الزوج أن لا ينسى الإحسان مع زوجته حتى عند الطلاق، قال تعالى: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ(7) .

كان الناس في الجاهلية يؤذون النساء بطلاقهن ما شاءوا، ثم يراجعونهن قبل انقضاء عدتهن، فلا يتركونهن حتى يتزوجن بغيرهم؛ فنهى الله عن الإضرار بهن، كما جاء في الحديث عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ النَّاسُ وَالرَّجُلُ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ مَا شَاءَ أَنْ يُطَلِّقَهَا، وَهِيَ امْرَأَتُهُ إِذَا ارْتَجَعَهَا وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ، وَإِنْ طَلَّقَهَا مِائَةَ مَرَّةٍ أَوْ أَكْثَرَ، حَتَّى قَالَ رَجُلٌ لِامْرَأَتِهِ: وَالله لَا أُطَلِّقُكِ فَتَبِينِي مِنِّي وَلَا آوِيكِ أَبَدًا. قَالَتْ: وَكَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَ: أُطَلِّقُكِ فَكُلَّمَا هَمَّتْ عِدَّتُكِ أَنْ تَنْقَضِيَ رَاجَعْتُكِ، فَذَهَبَتْ المَرْأَةُ حَتَّى دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَةَ فَأَخْبَرَتْهَا، فَسَكَتَتْ عَائِشَةُ حَتَّى جَاءَ النَّبِيُّ غ فَأَخْبَرَتْهُ، فَسَكَتَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَاسْتَأْنَفَ النَّاسُ الطَّلَاقَ مُسْتَقْبَلًا مَنْ كَانَ طَلَّقَ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ طَلَّقَ«(8)

يقول ابن كثير: «هذه الآية الكريمة رافعة لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام من أن الرجل كان أحق برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرة ما دامت في العدة، فلما كان هذا فيه ضرر على الزوجات قصرهم الله ﻷ إلى ثلاث تطليقات، وأباح الرجعة في المرة والثنتين، وأبانها بالكلية في الثالثة، فقال: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ«(9)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري، كتاب: البيوع، باب: من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم، برقم: (2211)، ورواه مسلم بنحوه، كتاب: الأقضية، باب: قضية هند، برقم:(1714).

(2) نيل الأوطار للشوكاني، (4 / 122).

(3) صحيح البخاري، كتاب: النفقات، باب: فضل النفقة على الأهل، برقم:(5354)، ورواه مسلم، كتاب: الوصية، باب: الوصية بالثلث، برقم:(1628).

(4) شرح النووي لصحيح مسلم، المجلد الرابع، (11 / 64).

(5) صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب فضل النفقة على العيال والمملوك، برقم: (995).

(6) شرح النووي، المجلد الثالث، (7 / 81-82).

(7) [البقرة:229]

(8) جامع الترمذي، كتاب الطلاق، باب ما جاء في طلاق المعتوه، برقم: (1912).

(9) تفسير ابن كثير، (1/399).