بحث عن بحث

الوقفة السادسة: حب الإيمان وكراهية الكفر (2-6)

قال الإمام النووي: «مَعْنَى الْحَدِيث الْحَثّ عَلَى الْمُبَادَرَة إِلَى الْأَعْمَال الصَّالِحَة قَبْل تَعَذُّرهَا، وَالِاشْتِغَال عَنْهَا بِمَا يَحْدُث مِنْ الْفِتَن الشَّاغِلَة الْمُتَكَاثِرَة الْمُتَرَاكِمَة كَتَرَاكُمِ ظَلَام اللَّيْل الْمُظْلِم لَا الْمُقْمِر، وَوَصَفَ غ نَوْعًا مِنْ شَدَائِد تِلْك الْفِتَن, وَهُوَ أَنَّهُ يُمْسِي مُؤْمِنًا ثُمَّ يُصْبِح كَافِرًا أَوْ عَكْسه -شَكَّ الرَّاوِي- وَهَذَا لِعِظَمِ الْفِتَن يَنْقَلِب الْإِنْسَان فِي الْيَوْم الْوَاحِد هَذَا الِانْقِلَاب. وَالله أَعْلَم»(1).

وإن من ارتد عن دينه فلا يضر الله شيئاً، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّـهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّـهُ الشَّاكِرِينَ(2) .

بل إن الله يأتي بقوم يقيمون دينه، كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّـهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّـهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّـهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(3) .

وهو من الداخلين في النار، كما قال تعالى: ﴿ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(4) .

وله عذاب شديد مع غضب الله عليه: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّـهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّـهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(5) .

قال ابن حجر: «في الْآيَة وَعِيد شَدِيد لِمَنْ اِرْتَدَّ مُخْتَارًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا ﴾ إِلَى آخِره«(6)

ولا شك أن أعظم الذنوب الشرك والكفر، ولذا ورد النهي الشديد عن الوقوع فيه، وإن ترتب على ذلك إزهاق النفس، فعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ا قَالَ: «أَوْصَانِي خَلِيلِي غ: أَنْ لَا تُشْرِكْ بِالله شَيْئًا وَإِنْ قُطِّعْتَ وَحُرِّقْتَ، وَلَا تَتْرُكْ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا، فَمَنْ تَرَكَهَا مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ، وَلَا تَشْرَبْ الْخَمْرَ؛ فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ«(7)

قال السندي: «قَوْله: «أَنْ لَا تُشْرِك» صِيغَة نَهْي، وَالْمُرَاد أَنْ لَا تُظْهِر الشِّرْك، وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي اِخْتِيَار الْمَوْت وَالْقَتْل دُون إِظْهَار الشِّرْك، وَالله تَعَالَى أَعْلَم«

وإن العلماء حملوا هذا الأمر على العزيمة بقصة عمار في قَوْله: ﴿ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ

قال الحافظ ابن حجر: «وَالْمَشْهُور أَنَّ الْآيَة الْمَذْكُورَة نَزَلَتْ فِي عَمَّار بْن يَاسِر، كَمَا جَاءَ مِنْ طَرِيق أَبِي عُبَيْدَة بْن مُحَمَّد بْن عَمَّار بْن يَاسِر، قَالَ: «أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ عَمَّارًا فَعَذَّبُوهُ حَتَّى قَارَبَهُمْ فِي بَعْض مَا أَرَادُوا؛ فَشَكَى ذَلِكَ إِلَى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَهُ: «كَيْف تَجِد قَلْبك؟ قَالَ: مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ, قَالَ فَإِنْ عَادُوا فَعُدْ» وَهُوَ مُرْسَل وَرِجَاله ثِقَات أَخْرَجَهُ الطَّبَرِي«(8)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح صحيح مسلم للنووي، المجلد الأول، (2/133).

(2) [آل عمران:144]

(3) [المائدة:54]

(4) [البقرة:217]

(5) [النحل:106]

(6) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني (12/ 312).

(7) سنن ابن ماجه، كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء، برقم: (4034).

(8) فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر (12/312).