بحث عن بحث

الوقفة الخامسة (10-10)

في قوله صلى الله عليه وسلم: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله

خلاصة الكلام: أن الكافر نبغضه لكفره، ولكن هذا لا يمنع التعامل معه في الأمور المباحة بالحسنى، وبالأخص إذا كان له عهد من ولي أمر المسلمين، بل من آحاد المسلمين، كما جاء في الحديث: «الْمُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ«(1).

وعند أبي داود عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، يَرُدُّ مُشِدُّهُمْ عَلَى مُضْعِفِهِمْ، وَمُتَسَرِّيهِمْ عَلَى قَاعِدِهِمْ، لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِه«(2).

قال ابن حجر: «وَدَخَلَ فِي قَوْله «أَدْنَاهُمْ» أَيْ أَقَلُّهُمْ؛ كُلّ وَضِيع بِالنَّصِّ، وَكُلّ شَرِيف بِالْفَحْوَى«(3).

وكما ذكر في قصة أم هانئ تقول: «ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم عَامَ الْفَتْحِ؛ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ فَقُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ. فَقَالَ: مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! زَعَمَ ابْنُ أُمِّي عَلِيٌّ أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ، فُلَانُ بْنُ هُبَيْرَةَ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ. قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: وَذَلِكَ ضُحًى«(4).

ويجب على المسلمين أن يتمسكوا بالكتاب والسنة في جميع حياتهم، ويقتدوا بالنبي صلى الله عليه وسلم في جميع أمورهم، ومنها كيفية التعامل مع غير المسلمين.

يقول الدكتور محمد المغراوي: «التعامل مع غير المسلمين في دولة الإسلام يجب أن يطبق كما علمنا الله ورسوله، فالإسلام لديه حكامه ورعاته، ولديه في كل بلد أولوا الحل والعقد. واليهود والنصارى عاشوا مع المسلمين قروناً، فإذا كان اليهودي أو النصراني في بلد مسلم، وتحت الحماية وأعطي له الأمان، فلا يجوز أن يتعرض له أحد، وأن يعامل معاملة حسنة، فلا يجوز قتله، ولا يجوز أن يفتك به«(5).

      ثامنًا: الداعية ومحبة الناس:

ديننا الإسلامي دين المحبة والأخوة، ودين التوادد والتراحم، أشاع هذا المبدأ العظيم ليسود الود والوئام، وتتفشى الأخوة والترابط، وتعلو السماحة والبشر، تمثلت هذه المعاني في معاملة النبي صلى الله عليه وسلم وسلوكه، وعلاقاته وارتباطاته، قال تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ(6) .

وقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّـهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ ۚ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ(7) .

كما تمثلت في سلوك صحابته الكرام التي وصلت إلى ذروتها، حتى آثروا بعضهم على أنفسهم مع ما ينالهم من الضيق في العيش، كما أشار القرآن إلى هذه الصفة الحميدة فيهم في قوله تعالى: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ(8) .

هذه المعاني العظيمة عند انتشارها بين المسلمين ترتفع الأحقاد والضغائن، وتختفي الشحناء والبغضاء، ويندحر الشيطان وأعوانه.

وتتجلى مهمة الداعية والمربي في تعميق هذه المبادئ العظيمة التي من أعلاها المحبة والود والأخوة الحقة، ولعل من أهم معالم ذلك ما يلي:

o      أن يصفي الداعية والمربي قلبه من كل شائبة، فيكون شعاره العميق في نفسه: «المحبة» المحبة للآخرين، يحب الخير لهم، ويكره الشر أن يصيبهم، يحب ولا يبغض، محبة يظهر أثرها على أقواله، ويتصورها الناظر في أفعاله.

o      يجلي المربي والداعية هذه المحبة في علاقاته مع الآخرين سواء حال الدعوة، أو حال التعامل العام، فلا يفصل بين سلوك وآخر، ولا بين حال وأخرى، يحبهم حال دعوته كما يحبهم حال بيعه وشرائه معهم، وحال سمره ومحادثاته، وحال توجيهه وتدريسه، وهكذا.

o      أن يدلل على محبته لهم فيما يظهر عليه من سلوك وتصرفات، فيطعم جائعهم، ويعطي فقيرهم، ويرحم ضعيفهم، ويتصدق على محتاجهم، كما يهدي ويهب ويتصدق، وكل ذلك بنفس رضية، وابتسامة حانية، وقلب أبيض، لا يبتغي من وراء ذلك جزاء ولا شكورا إلا من الله سبحانه وتعالى.

o      أن يجعل النبي صلى الله عليه وسلم قدوة في هذه الصفة العظيمة «المحبة» فيتمثل العفو والصفح، ورد الجميل، وشكر المحسن، وتصويب المخطئ، وتنبيه الغافل، وعدم رد السوء بالمثل، وكظم الغيظ، والإحسان بكل معانيه.

o      أن يتمثل تلك المحبة برنامجاً عملياً في حياته؛ فيكون خلقاً له لا تخلقاً ولا تصنعاً، فيدرب نفسه على ذلك ولو بالتخلق في البداية، فالحلم بالتحلم، والعلم بالتعلم، وعليه فتكون المحبة خلقاً متأصلاً فيه.

هذه المحبة العظيمة إذا اتصف بها الداعي أصبح داعية حقاً إلى الله بعمله قبل أن يكون بكلامه، وبسلوكه قبل أن يكون بتوجيهه، فيؤتى أجره مرتين أو ثلاثاً، فيا له من فضل عظيم يجده الداعية والمربي والموجه في دنياه وآخرته، جعلني الله وإياكم كذلك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سنن النسائي، كتاب القسامة، باب سقوط القود من المسلم للكافر، برقم: (4745).

(2) سنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب في السرية ترد على أهل العسكر، برقم: (2751).

(3) فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني (6/ 274).

(4) صحيح البخاري، كتاب الجزية، باب أمان النساء وجوارهن، برقم: (3171).

(5) مجلة الفرقان، العدد (340)، شهر ربيع الأول 1426هـ، تحت عنوان: وقفات مع الدعاة،(ص:35).

(6) [القلم:4]

(7) [آل عمران:159]

(8) [الحشر:9]