بحث عن بحث

الوقفة الخامسة (4-10)

في قوله صلى الله عليه وسلم: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله

3-الإعانة في قضاء حوائجهم:

أثر عن السلف أنه كان منهم من يتفقد عيال أخيه وأولاده بعد موته أربعين سنة، يقوم بحاجتهم، ويتردد كل يوم إليهم، ويمونهم من ماله، فكانوا لا يفقدون من أبيهم إلا عينه، بل كانوا يرون منه ما لم يروا من أبيهم في حياته، وكان الواحد منهم يتردد إلى باب دار أخيه ويسأل ويقول: هل لكم زيت؟ هل لكم ملح؟ هل لكم حاجة؟ وكان يقوم بها حيث لا يعرفه أخوه، وبهذا تظهر الشفقة والأخوة(1).

وأثر عن الحسن البصري أنه أرسل جماعة من أصحابه في قضاء حاجة لأخ لهم، وقال: مروا بثابت البناني فخذوه معكم، فمروا بثابت فقال: أنا معتكف. فرجعوا إلى الحسن فأخبروه، فقال لهم: قولوا له: يا أعمش! أما علمت أن سعيك في حاجة أخيك خير لك من حجة بعد حجة، فرجعوا إلى ثابت فأخبروه، فترك اعتكافه وخرج معهم(2).

وقال ابن رجب في لطائف المعارف: «كان كثير من السلف يشترط على أصحابه في السفر أن يخدمهم اغتناماً لأجر ذلك؛ منهم: عامر بن عبد قيس، وعمرو بن عتبة بن فرقد، مع اجتهادهما في العبادة في أنفسهما، وكذلك كان إبراهيم بن أدهم يشترط على أصحابه في السفر الخدمة والأذان«(3).

4-زيارتهم في الله:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى اله عليه وسلم: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا أَوْ زَارَ أَخًا لَهُ فِي الله، نَادَاهُ مُنَادٍ: أَنْ طِبْتَ، وَطَابَ مَمْشَاكَ، وَتَبَوَّأْتَ مِنْ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا». قَالَ أَبُو عِيسَى: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ«(4).

وعنه أيضا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «زار رجل أخاً له في قرية، فأرصد الله ملكاً على مدرجته، فقال: أين تريد؟ قال: أخا لي في هذه القرية, فقال: هل له عليك من نعمة تربها؟ قال: لا، إلا أني أحبه في الله. قال: فإني رسول الله إليك أن الله أحبك كما أحببته«(5).

5-أن يحب له ما يحب لنفسه:

فعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ«(6).

قال النووي: «قَالَ الْعُلَمَاء رَحِمَهُمْ الله: مَعْنَاهُ لَا يُؤْمِن الْإِيمَان التَّامّ, وَإِلَّا فَأَصْلُ الْإِيمَان يَحْصُل لِمَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَة، وَالْمُرَاد يُحِبّ لِأَخِيهِ مِنْ الطَّاعَات وَالْأَشْيَاء الْمُبَاحَات«.

قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح: «وَهَذَا قَدْ يُعَدُّ مِنْ الصَّعْب الْمُمْتَنِع, وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ إِذْ مَعْنَاهُ: لَا يَكْمُل إِيمَان أَحَدكُمْ حَتَّى يُحِبّ لِأَخِيهِ فِي الْإِسْلَام مِثْل مَا يُحِبّ لِنَفْسِهِ, وَالْقِيَام بِذَلِكَ يَحْصُل بِأَنْ يُحِبّ لَهُ حُصُول مِثْل ذَلِكَ مِنْ جِهَةٍ لَا يُزَاحِمهُ فِيهَا، بِحَيْثُ لَا تَنْقُص النِّعْمَة عَلَى أَخِيهِ شَيْئًا مِنْ النِّعْمَة عَلَيْهِ, وَذَلِكَ سَهْل عَلَى الْقَلْب السَّلِيم، إِنَّمَا يَعْسُرُ عَلَى الْقَلْب الدَّغِل. عَافَانَا الله وَإِخْوَانَنَا أَجْمَعِينَ. وَالله أَعْلَم«(7).

6-الدعاء له في حياته وبعد مماته:

عن أم الدَّرْدَاءِ قَالَتْ: حَدَّثَنِي سَيِّدِي أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ دَعَا لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ، قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ. وَلَكَ بِمِثْلٍ«(8).

وهذه خصلة عظيمة، وحق جليل، تعود فائدته وأثره على الداعي نفسه بعد أن يقوم بحق أخيه، كيف وإذا كان هذا الأخ ميتاً أو مريضاً أو مبتلىً، أو صاحب حاجة فدعا له! فهل نتأمل ذلك جيداً ليسود الخير في الدنيا والآخرة؟!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) إحياء علوم الدين للغزالي، (2 / 190- 191).

(2) جامع العلوم والحكم لابن رجب حنبلي، (ص:321).

(3) لطائف المعارف (ص:259).

(4) جامع الترمذي، كتاب البر والصلة والآداب، باب ما جاء في زيارة الإخوان، برقم: (2008).

(5) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل الحب في الله، برقم: (2567).

(6) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب: من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، برقم: (13).

(7) شرح صحيح مسلم للنووي، المجلد الأول، (2/ 16-17).

(8) صحيح مسلم، كتاب الذكر، والدعاء، باب فضل دعاء المسلمين، برقم: (2732).