بحث عن بحث

الوقفة الخامسة (2-10)

في قوله صلى الله عليه وسلم: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله

      ثالثاً: حب القلوب وتآلفها نعمة من الله:

إن الحب والبغض أمور لا قدرة للعبد في تحصيلها ولا دفعها؛ لأنها من أعمال القلوب، والقلوب بيد الله تعالى، والتآلف بينها بنعمة من الله، كما قال تعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّـهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّـهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا(1)  وقال تعالى: ﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(2) .

وإن الله جبل القلوب على محبة من يحسن إليها، والرسول صلى الله عليه وسلم بَيَّن المقدمات والأسباب التي تبنى المحبة عليها، وتنشأ عنها، كما بين حقيقة التآلف في هذا الحديث: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ«(3).

قال الحافظ ابن حجر في الفتح: «قَوْلُهُ: (الْأَرْوَاح جُنُود مُجَنَّدَة...إِلَخْ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُحْتَمَل أَنْ يَكُون إِشَارَة إِلَى مَعْنَى التَّشَاكُل فِي الْخَيْر وَالشَّرّ، وَالصَّلَاح وَالْفَسَاد , وَأَنَّ الْخَيِّرَ مِنْ النَّاس يَحِنّ إِلَى شَكْله، وَالشِّرِّير نَظِير ذَلِكَ يَمِيل إِلَى نَظِيره، فَتَعَارُف الْأَرْوَاح يَقَع بِحَسَبِ الطِّبَاع الَّتِي جُبِلَتْ عَلَيْهَا مِنْ خَيْر وَشَرّ, فَإِذَا اِتَّفَقَتْ تَعَارَفَتْ، وَإِذَا اِخْتَلَفَتْ تَنَاكَرَتْ«(4).

وفِي مُسْنَد أَبِي يَعْلَى قِصَّة فِي أَوَّله، عَنْ عَمْرَةَ بِنْت عَبْد الرَّحْمَن قَالَتْ: «كَانَتْ اِمْرَأَة مَزَّاحَة بِمَكَّة فَنَزَلَتْ عَلَى اِمْرَأَة مِثْلهَا فِي الْمَدِينَة, فَبَلَغَ ذَلِكَ عَائِشَة فَقَالَتْ: صَدَقَ حِبِّي، سَمِعْت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم » فَذَكَرَ مِثْله(5).

قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ: «وَيُسْتَفَاد مِنْ هَذَا الْحَدِيث: أَنَّ الْإِنْسَان إِذَا وَجَدَ مِنْ نَفْسه نُفْرَة مِمَّنْ لَهُ فَضِيلَة أَوْ صَلَاح، فَيَنْبَغِي أَنْ يَبْحَث عَنْ الْمُقْتَضِي لِذَلِكَ لِيَسْعَى فِي إِزَالَته حَتَّى يَتَخَلَّص مِنْ الْوَصْف الْمَذْمُوم، وَكَذَلِكَ الْقَوْل فِي عَكْسه«(6).

وذلك باتخاذ الأساليب التي بينها النبي صلى الله عليه وسلم ، منها إفشاء السلام كما جاء في الحديث: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؛ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ«(7).

وكذلك تعاطي الهدايا كما جاء في الحديث: عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ عَبْدِالله الْخُرَاسَانِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «تَصَافَحُوا يَذْهَبْ الْغِلُّ، وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا َتَذْهَبْ الشَّحْنَاءُ«(8).

أيضاً: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لقبلت«(9).

وعند الترمذي: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ، وَلَوْ دُعِيتُ عَلَيْهِ لَأَجَبْتُ». قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(10).

قال صاحب التحفة: «وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى حُسْنِ خُلُقِهِ غ، وَتَوَاضُعِهِ، وَجَبْرِهِ لِقُلُوبِ النَّاسِ, وَعَلَى قَبُولِ الْهَدِيَّةِ وَإِجَابَةِ مَنْ يَدْعُو الرَّجُلَ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ الَّذِي يَدْعُوهُ إِلَيْهِ شَيْءٌ قَلِيلٌ«(11).

إن الله ييسر أمور المتحابين في الله:

إن الله ييسر أمور المتحابين في الله، ويسهل أمورهم من حيث لا يحتسبون، والقصص كثيرة؛ فمن عجيب ما ذكر قصة الإمام أحمد بن حنبل مع إسحاق بن راهويه كما يحكي ابنه عبد الله: لما أطلق أبي من المحنة، خشي أن يجيء إليه إسحاق بن راهويه، فرحل أبي إليه، فلما بلغ الري دخل إلى مسجد، فجاء مطر كأفواه القرب، فلما كانت العتمة قالوا له: اخرج من المسجد فإنا نريد أن نغلقه، فقال لهم: هذا مسجد الله وأنا عبد الله، فقيل له: أيما أحب إليك أن تخرج أو نجر برجلك؟ قال أحمد: فقلت سلاماً، فخرجت من المسجد والمطر والرعد والبرق، فلا أدري أين أضع رجلي، ولا أين أتوجه، فإذا رجل قد خرج من داره، فقال لي: يا هذا أين تمر في هذا الوقت؟ فقلت: لا أدري أين أمر. فقال: ادخل! فأدخلني داراً ونزع ثيابي، وأعطوني ثياباً جافة، وتطهرت للصلاة، فدخلت إلى بيت فيه كانون فحم ولبود، ومائدة منصوبة، فقيل لي: كل، فأكلت معهم، فقال لي: من أين أنت؟ فقلت: أنا من بغداد، فقال لي: تعرف رجلاً يقال له أحمد بن حنبل؟ فقلت: أنا أحمد بن حنبل. فقال لي: وأنا إسحاق بن راهويه(12).

فيقال: ومن أهم فضائل تلك العلاقة تيسير أمور المتحابين في الله.

ومن الأشياء التي تجلب المحبة بين المسلمين: الاعتناء بالحقوق العامة التي ذكرت في النصوص الشرعية، وسيأتي ذكر بعضها في المبحث التالي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [آل عمران:103]

(2) [الأنفال:63]

(3) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب: الأرواح جنود مجندة، برقم: (2638).

(4) فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، (6/369).

(5) المرجع السابق (6/369).

(6) المرجع السابق.

(7) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، برقم: (54).

(8) رواه الإمام مالك في الموطأ، كتاب الجامع، باب ما جاء في المصافحة، برقم: (2641) وصححه الألباني في صحيحه، برقم: (525).

(9) صحيح البخاري، كتاب الهبة وفضلها، باب القليل من الهبة، برقم: (2568).

(10) جامع الترمذي، كتاب الأحكام، باب ما جاء في قبول الهدية، برقم:(1338).

(11) تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي للمباركفوري، (2/ 279) (طبعة هندية).

(12) مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (ص:380).