بحث عن بحث

الوقفة الرابعة (16-17)

في قوله صلى الله عليه وسلم: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما

وورد عن السلف أن الأوزاعي قال: كنا - والتابعون متوافرون- نقول: «إن الله عز وجل فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته«(1).

وقال الإمام مالك :: «الله في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو منه شيء«(2).

وقيل للإمام أحمد: «الله فوق السماء السابعة على عرشه، بائن من خلقه، وقدرته وعلمه بكل مكان»؟ قال: «نعم، هو على عرشه، ولا يخلو شيء من علمه«(3).

يقول الحافظ الحكمي: «كذا ثابت له العلو والفوقية بالكتاب والسنة وإجماع الملائكة والأنبياء والمرسلين وأتباعهم على الحقيقة من أهل السنة والجماعة، (على عباده)، أي: فوقهم مستوياً على عرشه، عالياً على خلقه، بائناً منهم، يعلم أعمالهم، ويسمع أقوالهم، ويرى حركاتهم وسكناتهم، لا تخفى عليه منهم خافية، والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة أكثر من أن تحصى وأجل من أن تستقصى، والفطر السليمة والقلوب المستقيمة مجبولة على الإقرار بذلك لا تنكره«(4).

ويقول أيضاً: «وبالجملة: فجميع رسل الله عليهم الصلاة والسلام، وجميع كتبه المنزلة، وجميع أهل السماوات، ومؤمني أهل الأرض من الجن والإنس أتباع رسل الله، وجميع الفطر السليمة والقلوب المستقيمة التي لم تجتلها الشياطين عن دينها؛ جميعها شاهدة حالاً ومقالاً أن خالقها وفاطرها ومعبودها الذي تألهه وتفزع إليه وتدعوه رغباً ورهباً، هو فوق كل شيء، عالٍ على جميع خلقه، استوى على عرشه، بائناً من مخلوقاته، وهو يعلم أعمالهم، ويسمع أقوالهم، ويرى حركاتهم وسكناتهم، وجميع تقلباتهم وأحوالهم، لا يخفى عليه خافية«(5).

وكذلك القول بوحدة الأديان، فجميع الأديان الباطلة عندهم حق؛ وبناءً على هذا فقد حكموا لقوم نوح وفرعون وجميع المشركين والوثنيين بالمعرفة والإيمان، وأنهم على حق؛ لأنهم عبدوا الله في صورة من الصور؛ لأن الله هو كل شيء، فمن عبد صنماً أو عَبَدَ حجراً أو شجراً أو إنساناً أو كوكباً فقد عبد الله. «معاذ الله«

وغيرها من ترهات وخزعبلات وأقاويل فاسدة كثيرة، فيا ترى هل حققوا هؤلاء محبة الله ﻷ على الوجه المشروع؛ لا. بل هم مرقوا من الدين كما يمرق السهم من الرمية، والبعد بينهم وبين الإيمان كما بين المشرقين والمغربين، فلن يدخلوا الجنة حتى يلج الجمل في سَمِّ الخياط، عصمنا الله وجميع المسلمين من هذه الزندقة، وثبتنا على الإيمان الصحيح على عقيدة السلف الصالح إلى أن يأتينا اليقين.

      الحادي عشر: الداعية والمربي ومحبة الله:

سبقت الإشارة إلى أن محبة الله هي القائد لعبودية الإنسان في هذه الحياة؛ كما شبهها الإمام ابن القيم :، فالإنسان في مسيره في هذه الحياة كالطائر له رأس وجناحان، فالرأس محبة الله، والجناحان الخوف والرجاء، ولا شك أن المربي والداعية وهو يقود هؤلاء الناس إلى ساحل النجاة تعظم عنده محبة الله تعالى ورسوله، وتظهر هذه المحبة على سلوكه في الحياة إجمالاً، وفي مسيرته التربوية والدعوية، ومن ذلك:

لا يمكن أن يسير الإنسان على منهاج لا يكون ثابتاً عليه، ولا يثبت على منهجه إلا بمحبة من يدعو إليه، ويربي النشأ عليه، ويستشعر ذلك وهو يقوم بهذه الدعوة العظيمة، والمهمة الجليلة، فكيف يدعو إلى شيء وهو متردد في حبه؛ لأن المحب لمن يحب مطيع.

أن يظهر هذا الحب على إخلاصه في عمله الدعوي، وفي قيامه بمهمته التربوية، فلا يناقض عمله دعواه، وسلوكه، أقواله، وقد جاء التأكيد على هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴿٢﴾ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّـهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ(6) .

فالتناقض بين القول والفعل علامة على ضعف المحبة لله تعالى ولرسوله عليه الصلاة والسلام.

إحياء هذا المعنى -حب الله ورسوله- في عظمة الاقتداء بالحبيب عليه الصلاة والسلام، والداعية والمربي أعظم المحبين لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، فكلما يعظم هذا الحب في القلوب فيعظم في السلوك، وتفترق هذه النقطة عن غيرها بأن هذه تشير إلى الثبات على العمل، وتلك تنبه إلى عدم التناقض بين الأقوال والتصرفات.

الثبات على استمرار المحبة في جميع الأوقات والأمكنة والأحوال والظروف، لا أن يكون الحب دعوى، أو في وقت دون آخر، فهذا مخادعة للنفس، ومجانبة للطريق، فالمحب ثابت في مبدئه لمن أحبه لا يكون في حال دون حال، فليعي هذا المربون والدعاة والموجهون والمعلمون، أعانهم الله وسددهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) معارج القبول للحكمي (1/ 143).

(2) معارج القبول للحكمي (1/ 144).

(3) المرجع السابق (1/ 149-150).

(4) المرجع السابق (1/ 109).

(5) المرجع السابق (1/ 134).

(6) [الصف: 2- 3]