بحث عن بحث

الوقفة الرابعة (7-17)

في قوله صلى الله عليه وسلم: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما 

16-أن يحب كذلك أحباب الله وأولياءه: فتحبهم وتحب الخير لهم، وتتمنى لهم الخير وتدعو لهم، وتقول في دعائك: ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ(1) ، وعن عُمَرَ بْن الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنْ عِبَادِ الله لأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمْ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنْ الله تَعَالَى. قَالُوا: يَا رَسُولَ الله تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ؟ قَال: هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ الله عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ وَلا أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا، فَوَالله إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ وَإِنَّهُمْ عَلَى نُور، لا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاس، وَلا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاس. وَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّـهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(2) «(3).

17-مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم كما ينتقى أطايب الثمر؛ لأن الإنسان يكون على دين خليله، كما جاء في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِطُ» وَقَالَ مُؤَمَّلٌ: «مَنْ يُخَالِلُ«(4).

أيضاً عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ؛ فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَة«(5).

18-مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله ﻷ: قال تعالى: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّـهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ(6) .

19-الحرص كل الحرص على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم: يقول تعالى: ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّـهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّـهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(7) .

20-صلة الرحم، وبر الوالدين خاصة: ففي حديث ابن مسعود قال: سَأَلْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ عَلَى مِيقَاتِهَا». قُلْتُ: ثُمَّ أَيّ؟ٌ قَالَ: «ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ». قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله»، فَسَكَتُّ عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَلَوْ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي(8).

21-الجهاد في سبيل الله بمراتبه وأنواعه: ففي تتمة حديث ابن مسعود السابق قَالَ ابن مسعود: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله». وفي صحيح مسلم وغيره عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ«(9).

22-أن يكون في استعداد تام للقاء الله ﻷ في كل حين، حيث يؤدي كل ما يجب عليه من حقوق ربه وحقوق الآدميين؛ فمن يكون كذلك فهو المستعد للقاء الله عز وجل وهو قد أحبه الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: ﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا(10) ، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ الله أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ الله كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ«(11).

وفي حديث أبي ذر رضي الله عنه، عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «ثَلاثَةٌ يُحِبُّهُمْ اللهُ وَثَلاثَةٌ يُبْغِضُهُمْ الله؛ فَأَمَّا الَّذِينَ يُحِبُّهُمْ الله: فَرَجُلٌ أَتَى قَوْمًا؛ فَسَأَلَهُمْ بِالله، وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ بِقَرَابَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فَمَنَعُوهُ، فَتَخَلَّفَ رَجُلٌ بِأَعْقَابِهِمْ، فَأَعْطَاهُ سِرًّا؛ لا يَعْلَمُ بِعَطِيَّتِهِ إِلاّ اللهُ وَالَّذِي أَعْطَاه، وَقَوْمٌ سَارُوا لَيْلَتَهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ النَّوْمُ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِمَّا يُعْدَلُ بِهِ نَزَلُوا فَوَضَعُوا رُءُوسَهُمْ، فَقَامَ أَحَدُهُمْ يَتَمَلَّقُنِي وَيَتْلُو آيَاتِي، وَرَجُلٌ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ، فَلَقِيَ الْعَدُوَّ فَهُزِمُوا، وَأَقْبَلَ بِصَدْرِهِ حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يُفْتَحَ لَهُ، وَالثَّلاثَةُ الَّذِينَ يُبْغِضُهُمْ اللهُ: الشَّيْخُ الزَّانِي، وَالْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ، وَالْغَنِيُّ الظَّلُومُ«(12).

23-ومن أعظم ما يجلب محبة الله تعالى -ونختم به-: الدعوة إلى دينه وشرعه، وإرشاد الناس إلى أخلاقه وفضائله، والعمل بتعاليمه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأعظم المحبوبين خليله عليه الصلاة والسلام، ولم يخلف إرثًا أعظم من هذا الإرث؛ فمن اقتدى به عليه الصلاة والسلام فقد تدرج في الوصول إلى محبة الله تعالى.

وبعد: فمحبة الله غالية، والطريق إليها سهل وميسور، فعلى العبد أن يتقي الله، وأن يختار من الأعمال والأقوال والأخلاق ما يحببه إلى الله، ويقربه إليه؛ فإن في ذلك السعادة في الدنيا والآخرة، ومن أحبه الله كان سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وكان من أوليائه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [الحشر:10]

(2) [يونس:62]

(3) رواه أبو داود في البيوع، باب في الرهن، برقم: (3527).

(4) مسند أحمد، برقم: (7968).

(5) صحيح البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب المسك، برقم: (5534).

(6) [الحديد:16]

(7) [آل عمران:31]

(8) صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب فضل الجهاد والسير، برقم: (2782).

(9) رواه مسلم في الإمارة، باب ذم من مات ولم يغزو، ولم يحدث نفسه بالغزو، برقم: (1910).

(10) [الكهف:110]

(11) رواه البخاري في الرقاق، باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، برقم: (6507)، ومسلم في الذكر والدعاء، باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، برقم: (2421).

(12) رواه الترمذي في صفة الجنة، باب أحاديث في صفة الثلاثة الذين يحبهم الله، برقم: (2568) والنسائي في الصلاة، باب فضل صلاة الليل في السفر، برقم: (1616) وفي الزكاة، باب من يسأل بالله عز وجل ولا يعطى به، برقم: (2571).