بحث عن بحث

أمثلة حية للاستقامة (4-11)

3-الصحابي الجليل عبد الله بن عباس:

هو حبر الأمة، ويسمى البحر لغزارة علمه، قال جابر بن عبد الله  حينما بلغه وفاة ابن عباس: «مات أعلم وأحلم الناس»(1)، كما أنه ا كان من أعبد الناس وأنفعهم لهم، فكان حقًّا مثالاً وقدوة للشاب المسلم، ولكن يا ترى كيف بلغ هذه الدرجة العالية في العلم والعمل؟ هل لأمنية تمناها، أم بدعاء شيخ؟ أم بعمل مستمر دؤوب، وتعلم لا يملّ، والحرص على تعليم الناس مما علمه الله؟ والحق: أنه كل ذلك كان، فبلغ ما بلغ وهو فتى شاب، وكان عُمَرُ ا إذا ذكره قال: «ذاكم فتى الكهول، له لسان سؤول، وقلب عقول»، تعالَ لنرى كيف بلغ ابن عباس هذه الدرجة؟

يقول ابن عباس: «لما قُبِض رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لرجل من الأنصار: هلمّ فلنسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم اليوم كثير، فقال: واعجباً لك يا ابن عباس! أترى الناس يفتقرون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من فيهم؟ فتركت ذلك، وأقبلت أسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحديث، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه وهو قائل-أي: في قيلولة- فأتوسَّد التراب، فيخرج فيراني فيقول: يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء بك؟ ألا أرسلت إليَّ فآتيك؟ فأقول: لا، أنا أحق أن آتيك فأسألك عن الحديث.

فعاش ذلك الفتى الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع الناس حولي يسألوني فيقول: هذا الفتى كان أعقل مني«

كما أن ابن عباس  حرص في طلب العلم والتزم كل آدابه، وقد سعى في إيصاله إلى طلبة العلم بالحرص نفسه، يقول ابن بريدة: «شتم رجل ابن عباس، فقال ابن عباس: إنك لتشتمني وفيَّ ثلاث خصال: إني لآتي على الآية من كتاب الله عز وجل، فلوددت أن جميع الناس يعلمون منها ما أعلم، وإني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يعدل في حكمه فأفرح به ولعلّي لا أقاضي إليه أبداً، وإني لأسمع أن الغيث قد أصاب بلداً من بلدان المسلمين فأفرح به وما لي به من سائمة».

ولذا كان يجلس للناس فيدخل عليه جماعة يسألون عن القرآن وحروفه، فيستمع إليهم ويجيب على أسئلتهم، ثم يدخل عليه من يريد أن يسأل عن تفسير القرآن، ثم تدخل فئة تسأل عن الحلال والحرام، ثم من عنده سؤال عن الفرائض، ثم من له حاجة في السؤال عن العربية والشعر والغريب من الكلام.. كل ذلك قد حصل له بفضل الله وكرمه، ثم بفضل لسانه السؤول، وقلبه العقول.

وابن عباس ا لم يك مجرد فارس ميدان العلم، بل كان ممن يخش الله ويعبده على علم وبصيرة؛ فكان عابداً زاهداً.

عن الضحاك عن ابن عباس أنه قال: «يا صاحب الذنب لا تأمنن سوء عاقبته، ولم يتبع الذنبَ أعظمُ من الذنب إذا عملته، وقلة حيائك ممن على اليمين وعلى الشمال وأنت على الذنب أعظمُ من الذنب الذي صنعته، وضحكك وأنت لا تدري ما الله صانع بك أعظمُ من الذنب، وفرحك بالذنب إذا عملته أعظمُ من الذنب، وحزنك على الذنب إذا فاتك أعظمُ من الذنب إذا ظفرت به، وخوفك من الريح إذا حركتْ ستر بابك وأنت على الذنب ولا يضطرب فؤادك من نظر الله إليك أعظمُ من الذنب إذا عملته«

ويقول أبو رجاء: «كان هذا الموضع من ابن عباس مجرى الدموع كأنه الشراك البالي».

ويقول عبد الله بن أبي مليكة: «صحبت ابن عباس من مكة إلى المدينة، فكان إذا نزل قام شطر الليل يرتِّل ويُكثر في ذلك التسبيح«

وابن عباس مع كونه في جانب عظيم من العلم والعبادة كان يسابق إلى مساعدة الفقراء والمساكين، وكفالة الأيتام والأرامل، ويقول: «لأن أعول أهل بيت من المسلمين شهراً أو جمعة أو ما شاء الله، أحبُّ إليَّ من حجة بعد حجة، ولطبقٌ بدانق أهديه إلى أخ لي في الله أحب إليَّ من دينار أنفقه في سبيل الله ﻷ»(2). فابن عباس ب قدوة لكل من خطط من الشباب أن يكون قدوة، فليقتدِ بابن عباس ب مادام في الوقت مهلة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) (صفة الصفوة) (1/ 384).

(2) (صفة الصفوة) (1/ 0 38- 384).