بحث عن بحث

حوافز المسارعة إلى الخيرات (2-3)

      ثالثًا: معرفة حقيقة الموت وأنه يأتي فجأة:

وقد أخفى الله سبحانه مواعيد آجال العباد لكي يكونوا في استعداد تام في كل حين للقاء ربهم، ولا يكون ذلك إلا بالمسارعة في أداء ما افترض الله عليهم؛ فإنه لا تدري نفس بأي أرض تموت ولا في أي لحظة تأتيها المنية. لذا قال تعالى:{وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ .وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}(1).

قال ابن سعدي في تفسير الآيتين المذكورتين: «فليشكروا الذي أعطاهم بمواساة إخوانهم المحتاجين، وليبادروا بذلك الموت الذي إذا جاء لم يمكّن العبد أن يأتي بمثقال ذرة من الخير، ولهذا قال: {قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ} متحسرًا على ما فرّط في وقت الإمكان، سائلًا الرجعة التي هي محال:{رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ}أي: لأتدارك ما فرّطت فيه، {فَأَصَّدَّقَ}من مالي ما به أنجو من العذاب وأستحق جزيل الثواب،{وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ}  بأداء المأمورات كلها، واجتناب المنهيات، ويدخل في هذا الحج وغيره، وهذا السؤال والتمني قد فات وقته ولا يمكن تداركه، ولهذا قال: {وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا}المحتوم لها{وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}فإذا أدرك العبد حقيقة الدنيا وحقيقة الموت سارع إلى عمل ما ينفعه فيما بعدهما، فما الدنيا إلا مزرعة الآخرة، فمن جد وجد ومن زرع حصد«.

      رابعًا: قراءة القرآن والتأمل فيه:

إن أعظم ما يقود العبد إلى ما ينفعه دنيا وأخرى كتاب الله تعالى، وتدبر معانيه يجعل العبد يسارع إلى الخيرات، ويحكي القرآن أن أهل الكتاب ومنهم اليهود الذين قد قست قلوبهم فصارت أقسى من الحجارة إذا وفقوا لتلاوة القرآن بدؤوا يسارعون إلى الخيرات، يقول تعالى:{لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ.يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ}(2)، وذلك عندما يقرأ العبد القرآن يلين قلبه ويبادر إلى ما فيه خير الدنيا والآخرة. ففيه علم وفقه، وأخبار وقصص، ودروس وعبر، فالعاقل من يدرك ذلك فيجعل له نصيبًا يوميًا من هذا الكتاب العظيم ليسارع إلى الخيرات فيدخل في زمرة المتسابقين إلى الصالحات.

      خامسًا: قراءة سيرة المصطفى غ، وسير السلف من العلماء وغيرهم:

وذلك أن من قرأ سيرة الرسول ﷺ وسير الصحابة وجد في نفسه تقصيرًا وتفريطًا، فيتحمس ليتدارك ما فاته من الخير الكثير، ومن قرأ في سير أعلام النبلاء -مثلًا- وجد نفسه تريد أن تتحرك إلى المعالي وتقدم على أعمال الخير وتتنافس فيها، وتصير مثل هؤلاء الأعلام أو قريبًا منهم.

فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم      إن الـتشبه بالكـرام فـلاح

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [المنافقون: 10، 11]

(2) [آل عمران: 113، 114]